Mouvement Ettajdid حركة التجديد

الصفحة الأساسية > عربي > مـلفــــات و دراســات > مداخلة ممثل حركة التجديد في الدورة السادسة للمجلس الأعلى للموارد البشرية

مداخلة ممثل حركة التجديد في الدورة السادسة للمجلس الأعلى للموارد البشرية

الجمعة 26 شباط (فبراير) 2010

السيّد الوزير الأول،

السيدات والسادة أعضاء الحكومة،

السيدات والسادة الأمناء العامون للأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية

نلتقي مرة أخرى في إطار المجلس الأعلى لتنمية الموارد البشرية للبحث في شؤون قطاعات حيوية ذات دلالة استراتيجية بالنسبة إلى تطور بلادنا على جميع الأصعدة وفي كافة المجالات، وأعني بها قطاعات التربية والتكوين والبحث العلمي والتكنولوجيا. من وجهة النظر التاريخية شكل مطلب إصلاح مناهج التدريس ونشر العلم والمعرفة بين كافة فئات الشعب الذي رفعته النخب المستنيرة في الحركة الوطنية قاعدة صلبة ورافعة قوية للمشروع الحداثي في بلادنا، وليس من المبالغة في شيء القول أن نجاحات تونس الأكثر وضوحا في ميادين متعددة، سواء في ما يتعلق منها بالنمو الاقتصادي والاجتماعي، أو تحرر المرأة أو بالتحسين المرموق في الوضع الصحي، وما عرف عن إطاراتها ونخبها من كفاءة واقتدار لا يمكن تصورها بمعزل عن الاهتمام الكبير بل والاستثنائي الذي حظي به قطاع التعليم رسميا وشعبيا منذ بداية الاستقلال.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى تتأكد لنا هذه الحقيقة الدامغة، فلا نمو ولا تقدم ولا حداثة ولا مكانة لنا في كوكبة الدول المتقدمة دون نظام تعليمي عصري متطور متجدد ومنفتح على محيطه يمتد أثره وتأثيره إلى كافة مجالات النشاط الاقتصادي والاجتماعي في علاقة تفاعلية مميزة ومستمرة. وفي بلد كبلدنا لم ينعم بسخاء الطبيعة، يتحتم على الإنسان أن يعول على طاقاته الإنتاجية وفكره الخلاق، وأن يستثمر في الذكاء لإنتاج المعرفة كقيمة إنتاجية في حد ذاتها.
إنفاق عمومي مرتفع...ونتائج دون المأمول!

تخصص بلادنا كما هو معلوم، نسبة مرتفعة من ميزانيتها (حوالي 8% من المنتوج الداخلي الخام و 31% من الميزانية) هي من أرفع النسب العالمية، لتغطية النفقات المتزايدة في قطاعات التربية والتكوين ولكن النتائج المسجلة في السنوات الأخيرة على وجه التحديد ليست في مستوى المجهود الوطني، وهي دون المأمول بكثير، ولا يمكن، بل ولا يجب أن نترك تحسن المؤشرات الكمية، أكان ذلك على صعيد نسب التمدرس في المرحلتين الابتدائية والإعدادية أو حتى بالنظر إلى الطفرة المسجلة في أعداد الطلبة وخريجي التعليم العالي، تحجب عنا النقائص والاختلالات الحادة في المنظومة التربوية الحالية، وهنا سنتوقف عند مسألتين يشير إليهما التقرير بوضوح دون أن يتوفق- في رأينا- إلى تلمس كافة الحلول الكفيلة بمحاصرة نتائجهما وتجاوزها، وهما:مسألة الانقطاع المبكر عن التعليم في المراحل ما قبل الجامعية وظاهرة بطالة حاملي الشهادات العليا.

إشكالية التربية والتكوين في المرحلة ما قبل الجامعية.

  • أ- ظاهرة الانقطاع المكبر وأسبابها

من دواعي الانشغال في هذا المجال ظاهرة الانقطاع المبكر (Abandon scolaire précoce ) عن التعليم في تناقض مع التوجه الرسمي القاضي بإجبارية التعليم إلى سن الخامسة عشر أي بنهاية السنة التاسعة إعدادي. ويقدر التقرير نسبة الانقطاع بـ 11.3% للمرحلة الابتدائية أي ما يعادل 80 ألفا إلى 85 ألف حالة سنويا وتصل النسبة إلى حوالي 25% في نهاية المرحلة الإعدادية من التعليم الأساسي و 11.7% بالنسبة لمرحلة التعليم الثانوي.
ويسهب التقرير في تعداد الإجراءات للحد من ظاهرة الانقطاع المبكر من خلال مقاومة ما يسميه بالفشل الدراسي وذلك عبر مزيد الاعتناء والإحاطة بالتلامذة وخصوصا في الأوساط الريفية والمعوزة بنشر الأقسام التحضيرية (مرحلة ما قبل الدراسة) في كافة المدارس، وإنشاء مطاعم مدرسية إضافة على المساعدة البيداغوجية المباشرة للتلامذة المستهدفين، وهي بلا شك إجراءات إيجابية وفعالة، ولكنها لا ترقى إلى طرح الإشكالية في أبعادها الأساسية.

  • ب- مؤشرات جدية على تدني مستوى التعليم. فالمنظومة التربوية تشكو بصفة جوهرية من طرق التدريس التي مازالت تعتمد في الغالب مقاربات بيداغوجية عفا عليها الزمن تستهدف تركيم المعرفة وتستند إلى ثنائية التلقين (من جانب الأستاذ) والحفظ (من جانب التلميذ) بينما تهمل التشريك الفعلي للتلميذ في التدرب على التفكير المنطقي والجدل لاستنباط المعلومة بدل تلقيها جاهزة ونهائية. وقد لاحظنا أن التقرير يشير لأول مرة إلى التقييمات الدولية التي شاركت فيها تونس وبالخصوص تلك المعروفة تحت مسمى «TIMMSS » المتعلقة بتدريس العلوم والرياضيات و PISA لتقييم مكتسبات التلاميذ من خلال القدرة على حل المسائل واستعمال التفكير النقدي والتحليل، وتملّك كفايات التأليف باللغات الأجنبية، وقد أظهرت هذه التقييمات- التي انفردت مداخلات حركتنا في السنوات الماضية بإثارتها- ضعفا بيّنا لدى تلامذتنا بالنسبة لنظرائهم في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) بل وحتى بعض البلدان الصاعدة كالأردن على سبيل المثال.
  • ج- التمسك بالمقاربات البيداغوجية القديمة. فالإجراءات المقترحة إذن بما في ذلك تنويع مسالك التعليم (بعث مسلك أعدادي تقني وبعث مدارس إعدادية نموذجية) وترشيد التوجيه في التعليم الثانوي وتحسين ظروف العمل ونسب التأطير وتجهيز المؤسسات التربوية بالوسائط الإعلامية لن تكون كافية لوحدها لمعالجة الاخلالات الملحوظة، إذا لم تنْفذ عملية الإصلاح إلى جوهر التمشي التربوي بتبني وتمثل الطرق البيداغوجية الحديثة التي بإمكانها ، ضمن شروط محددة، أن تقربنا من الهدف المعلن في التحديث وإعداد مجتمع المعرفة.

وما تجدر ملاحظته في هذا السياق، أن طغيان الجانب الكمي على سواه لا يستثني حتى المدارس الإعدادية النموذجية التي استحدثت مؤخرا حيث يُمْطر التلميذ بوابل من المعلومات طوال أيام الأسبوع ثم تضاف إلى ذلك الدروس التكميلية عشية يومي الجمعة والسبت فيعود أبناؤنا إلى منازلهم في ساعة متأخرة وفي حالة من التعب والإنهاك لا يجدون بعدها الوقت الكافي للمراجعة والاستيعاب، ناهيك عن أخذ قسط من الراحة وما يلزم للترويح عن النفس بممارسة أنشطة أخرى فنية أو رياضية أو غيرها، دون إغفال الضغوط النفسية الكثيرة التي أصبحت تسلط على التلميذ من جانب إطار التدريس والأولياء على حد سواء، واللهث وراء الأعداد (العلامات) والمعدلات المرتفعة التي أصبحت هدفا في حد ذاتها، علما أن هذه المدارس الإعدادية النموذجية التي أنشئت على وجه السرعة وبعضها لم يكتمل بناؤه بعد، لا تحتوي على ما يسهل بقاء التلميذ في المدرسة، فهي لا تتوفر على نوادي لممارسة أنشطة ثقافية، بل مايزال بعضها يفتقر حتى إلى قاعات الاستمرار فيقضي التلاميذ أوقات الفراغ (أو ما يمسى بالساعات الجوفاء) في ساحات المدرسة أو في الساحات والشوارع المجاورة لها، إذا كانوا من الغير المقيمين!

فيما يخص التعليم العالي.

أورد التقرير معلومات ضافية عن تكور عدد الطلبة والخريجين في السنوات الأخيرة وعن بداية تطبيق منظومة «إمد» التي يبدو أنها إصلاح فرضته علينا مجموعة من العوامل المتعلقة بمسار العولمة الاقتصادية وأنماط الإنتاج الحديثة وما أفرزته من تداعيات وضغوط على منظومات التدريس والتكوين على المستوى العالمي.

في هذا المجال أيضا، لا نملك إلا أن نلاحظ أن التقرير اكتفى بسرد مفصل لمختلف جوانب النظام الجديد ومراحله، دون تشخيص للإشكالات والإختلالات الحاصلة سواء أكان ذلك على مستوى نسق التدريس أو مكانة المدرسين ونوعية التكوين، وهنا يحل ذكر الأرقام المجردة عن نسب المتخرجين المرتفعة بصفة إرادية باعتبارها شاهدا على النجاح، محل الدراسة المتأنية لحقيقة تلك النتائج ومدى نجاعتها. ونحن نعلم أن نسبة هامة من هؤلاء الخريجين ستعزز صفوف العاطلين عن العمل سنويا بعشرات الآلاف دون أن تلوح في الأفق إمكانية للخروج من عنق الزجاجة.

وإذا كان من السابق لأوانه إجراء تقييم شامل لمنظومة «أمد» التي انطلقت سنة 2006/2007 وعرفت في نهاية السنة الجامعية الماضية 2008/2009 فقط خروج أول دفعة من المتحصلين على شهادة الإجازة، وفي انتظار أن يكتمل مسارها بتخريج المتحصلين على شهادة الماجستير ثم الدكتوراه فإنه من الواضح أن ظروف التي حفت بانطلاقتها لم تكن على أحسن ما يرام.

  • أ- تغييب الأطراف الفاعلة في رسم ملامح مشروع «أمد».

فمشروع «إمد» الذي يستهدف إعادة صياغة مسالك التعليم العالي وإضفاء قدر كبير من المرونة على نظم التدريس وتطوير الجوانب التطبيقية في التكوين، بما يتلاءم وحاجيات سوق الشغل المتغيرة باستمرار، لم يطرح للحوار الجاد مع ممثلي أهم المتدخلين المعنيين بتطبيقه وإنجاحه وخاصة منهم قطاعي الأساتذة الجامعيين والطلبة، ممثلين بنقابتي التعليم العالي والبحث العلمي والاتحاد العام لطلبة تونس رغم ما يعتري الأخيرة من ضعف وتشرذم يستدعي في نظرنا وقفة وطنية حازمة من أجل المساعدة على إعادة بعثها على أسس التمثيلية والديمقراطية والاستقلالية لما لها من دور محوري
في تفعيل وعقلنة المشاركة الطلابية في الشؤون الجامعية والوطنية بصفة عامة.

ونحن نأمل أن يؤدي التغيير على رأس وزارة التعليم العالي إلى تغيير طرق التعامل مع هاتين المنظمتين العريقتين والانتقال من سياسة الإقصاء والتهميش والتجاهل إلى معالجات جادة وسليمة تعتمد الحوار والتشاور لأن إنجاح أي عمل إصلاحي لا يأتي إلا بالتكاتف والتعاضد وتوحيد الجهود خاصة أن الأمر يتعلق بقضية وطنية كبرى على غاية من الأهمية بالنسبة إلى مستقبل بلادنا.

سيّدي الوزير الأوّل

السادة أعضاء الحكومة

الحضور الكريم

إن ضخامة مشروع «إمد» وتأثيراته المرتقبة على مستقبل التكوين الجامعي يستدعي مراجعة وتقييما مستمرين بمشاركة جميع الأطراف الفاعلة كما أسلفنا (نقابة التعليم العالي والبحث العلمي والتي لم يعد هناك أي داع للتملص من التعامل معها بعد أن أغلق الملف القضائي المثار حولها نهائيا، الاتحاد العام لطلبة تونس)، على جانب الإدارة طبعا، للوقوف على مواطن الخلل والضعف ومحاولة تصويبها في الإبان، ولا بد من الانتباه بداية إلى التذمّر الواسع لدى الجامعيين من الطريقة التي توختها الوزارة في صياغة المنظومة وتطبيقها والتي تعاملت معهم وكأنهم أعوان تنفيذ لا دخل لهم في الموضوع، ولا مجال كذلك لإنكار الشعور المنتشر لديهم بأن طريقة التسيير المتبعة ستؤدي حتما إلى مزيد تردي مستوى التعليم الجامعي وتدني قيمة الشهائد التونسية، كما أن مطالب الجامعيين بزيادة مهمة في مرتباتهم وتحسين جوهري لأوضاعهم المادية بصفة عامة هو مطلب محق ومشروع بالنظر إلى تزايد الأعباء البيداغوجية تدريسا وتأطيرا ومتابعة التي يفرضها عليهم النظام الجديد، ولامناص من الدخول في مفاوضات جدية مع ممثليهم النقابيين والاستجابة السريعة لتلك المطالب، بما يسهل انخراطهم الواعي والمسؤول في المنظومة الجديدة، الذي هو شرط ضروري لنجاحها وتورها.

  • ب- غياب الجامعات التونسية في الترتيب العالمي لأفضل الجامعات.

ومن دواعي الانشغال بمدى نجاعة وجودة التكوين الجامعي نتائج التقييمات الإقليمية منها والدولية التي صدرت أخيرا، حيث لم نعثر على أي أثر لمؤسسة جامعية تونسية في الترتيب العالمي لأفضل 500 جامعة، بينما حصلت مؤسستان تونسيتان فقط على موقع في مؤخرة الترتيب لأفضل 100 جامعة إفريقية مقابل 13 جامعة مغربية و11 جزائرية.

  • ج- انتشار ظاهرة الدروس الخاصة وارتفاع نفقاتها.

إن مجمل هذه المعطيات إضافة إلى ما نلاحظه جميعا من تدني المستوى التعليمي على كافة المستويات والاضطرار إلى اللجوء المتزايد إلى الدروس الخصوصية بما في ذلك على مستوى التعليم الجامعي، وما يفرضه هذا الوضع من ضغوط متزايدة على ميزانية العائلات التونسية التي ـصبح الإنفاق على التعليم يلتهم جزءا متعاظما منها، وذلك رغم حجم الإنفاق العمومي المرتفع أصلا، تطرح تساؤلات جدية حول نجاعة ومردودية المنظومة التربوية والتكوينية، التي قد تتحول، إن لم تكن قد بدأت فعلا من آلية للارتقاء الاجتماعي (المصعد الاجتماعي) مفتوحة أمام الجميع على قدم المساواة والتكافؤ إلى عامل للانتقائية والتمييز على أساس الموقع الاجتماعي والانتماء الجهوي، مما ينذر بمزيد تعمق الفوارق الاجتماعية والجهوية وتآكل الفئات الوسطية وتهميش المناطق الريفية.

وفي موضوع البحث العلمي: فإن التنظيم الجديد الذي يقره الأمر عدد 644 لسنة 2009، يمثل تقدما بالنسبة لما كان عليه الوضع قبل ذلك، شريطة مزيد إحكام الربط بين مشاريع البحث وحاجيات البلاد في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي والخدمات، وذلك يعني بالخصوص إعطاء الأولوية للبحوث التطبيقية (Recherches appliqués ) التي تتناسب أكثر مع إمكانيات البلاد وطاقات المنظومة البحثية الوطنية، وذلك على أساس تعاقدي وبمساهمة مباشرة من المؤسسات الاقتصادية العمومية منها والخاصة المستفيدة من نتائج البحث. كما أن محدودية الإمكانيات البشرية واللوجستية والمادية تملي الحرص على تجميع مراكز البحث حسب مجال أنشطتها لتفادي تشتت الجهود وتوزع الاعتمادات المالية المخصصة للبحث على فرق بحثية قليلة العدد، متواضعة الإمكانيات.
ولا بد كذلك من إيلاء اهتمام خاص في التقييم الدوري لأنشطة مراكز البحث لمدى مساهمتها في نشر المقالات العلمية في المجلات والمنشورات المتخصصة ذات الصيت العالمي، إلى جانب عدد براءات الاختراع المسجلة عالميا، وعدم الاكتفاء بالمقالات والبراءات المسجلة وطنيا.

في مجال التكوين المهني.

لا شك أن موضوع التكوين المهني يعتبر مكونا هاما في منظومة التربية والتكوين لم يحظ إلى حدّ الآن بما يستحق من العناية والاهتمام، ولا بدّ من تدارك الوضع بأقصى سرعة ممكنة حتى نوفر لبلادنا احتياجاتها الكبرى من الإطارات الوسطى من صنف التقنيين السامين (برتبة مساعد مهندس) ممن يمتلكون مهارات تقنية وحرفية يكثر عليها الطلب في سوق الشغل وطنيا ودوليا. وقد أجريت دراسات علمية أثبتت النقص الكبير في دول المغرب العربي ومن ضمنها تونس لهذا النوع من التقنيين مقارنة بما هو الحال عليه في دول مجموعة الـ BRIC وهو ما اعتبرته عائقا مهما أمام انتصاب عدد كبير من المؤسسات الاقتصادية العالمية في بلداننا، وخصوصا في إطار عمليات الترحيل(Délocalisation) ، كما أن المشاريع الكبرى التي جرى الحديث عنها في السنوات الأخيرة والتي تعطل انطلاقها بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية قد تتعثر إذا قيظ لها أن ترى النور بسبب نقص اليد العاملة أو تضطر لإيراد عمالة أجنبية.

وسعيا إلى رد الاعتبار للتكوين المهني فلا بد من اعتباره مسلكا قائما بذاته ينطلق عند نهاية المرحلة الإعدادية التقنية المستحدثة، ولكن مع توخي أقصى حد من المرونة حتى لا يفقد ارتباطه بمنظومة التربية ومسار التدرج المعرفي وذلك من خلال معابر تسمح للمتفوقين بالالتحاق بمنظومة «إمد» وخاصة بالمسالك التطبيقية والهندسية فيها على وجه الخصوص، كما أن توفير التأطير المناسب ورفع كفاءة المكونين وتأمين الأجهزة التقنية والمعدات، إضافة إلى الإجراءات التحفيزية للشبان المنخرطين في هذه المنظومة تمثل شروطا ضرورية لنجاحها وتطورها.

غني عن البيان أن التقييم المنتظم لنجاعة المنظومة وإجراء ما تقتضيه من تعديلات لتصحيح الاختلالات المسجلة وإعادة التوازن بين مختلف مسالك التكوين وفقا لمتطلبات سوق الشغل المتغيرة باستمرار، يشكل ضمانة أساسية للانسجام والتكامل بين مختلف قطاعات التربية والتكوين والاستجابة المثلى لحاجيات الاقتصاد الوطني.

في مجال التشغيل

تبقى معضلة التشغيل وتشغيل أصحاب الشهائد العليا على وجه الخصوص، من أهم القضايا الوطنية المستعصية رغم المجهودات المبذولة وتعدد آليات ما يسمى بالمقاربة النشيطة للتشغيل. وتفيد الإحصائيات المتوفرة أن مؤسسات التعليم العالي تقذف سنويا بما لا يقل عن 60 ألف متخرج سنويا لم تفلح مختلف آليات التشغيل في استيعاب أكثر من 60% منهم في أحسن الحالات (سنة 2008) وهي السنة السابقة لاندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، مع ملاحظة أن بعض هذه الآليات تلعب دور "المسكّن" للأزمة ولا يمكن اعتبارها ضمن الحلول كما هو الحال مثلا بالنسبة على تربص الأعداد للحياة المهنية. كما أن نسبة لا بأس بها من ضمن المشغلين يحتلون مواقع في العمل لا صلة لها بتكوينهم، أو يقومون بمهمات لا تحتاج أصلا إلى مؤهلات خاصة ويتقاضون في الغالب أجورا زهيدة قد لا تبعد كثيرا عن الأجر الأدنى المهني المضمون. وفي الجملة يسجل التقرير محدودية النتائج. ويعزو تواصل الأزمة إلى جملة من العوامل الضاغطة، كالعامل الديمغرافي وارتفاع عدد المتخرجين في السنوات الأخيرة وهو ارتفاع سيتواصل على مدى السنوات القادمة، ودون إنكار أهمية ما يسمى بالمقاربات النشيطة للتشغيل بآلياتها المتعددة، فإن المقاربة الاقتصادية المعتمدة حتى الآن لم توفق في تحقيق اختراق ملموس في نسق النمو من شأنه أن يسمح بنزول نسبة البطالة دون حاجز الـ 14% على المستوى الوطني، وهو رقم يخفي في حد ذاته تفاوتا مزعجا بين الجهات حيث تتضاعف النسبة في المناطق الداخلية بين الذكور والإناث ومعدلات التنمية المسجلة حتى الآن والتي تحوم حول 5% سنويا كما هو واضح عن تحسين القدرة التشغيلية للاقتصاد، وهو ما يستدعي في نظرنا مراجعة جدية لمنوال التنمية تتضمن إجراءات ومبادرات ذات صبغة سياسية ديمقراطية تهدف إلى إرساء مقومات الحكم الرشيد وشفافية المعاملات الاقتصادية والالتزام الكامل باحترام استقلالية القضاء وتوخي العدالة في استخلاص الجباية وإطلاق الحريات ورفع التضييقات على الإعلام بما يشجع الرأس المال الوطني على مزيد الاستثمار ويساهم في استدراج الاستثمار الخارجي المباشر الكفيلان لوحدهما باستحثاث نسق النمو الاقتصادي وخلق المزيد من فرص العمل.

سيدي الوزير

السادة أعضاء الحكومة

السيدات والسادة

هذه بعض الملاحظات السريعة التي تيسر تقديمها حول الجوانب المعروضة للنقاش في ملف وطني حساس يتعلق بقضايا التربية والتكوين والبحث العلمي والتشغيل، وحركتنا إذ تسجل إيجابية التقرير من حيث الإشارة إلى بعض النواقص والثغرات ومحاولة الوقوف عند أسبابها وانخفاض النبرة التمجيدية خلافا للتقارير السابقة، فإنها تدعو إلى مزيد التعمق في تشخيص الإشكاليات وتؤكد ضرورة التقييم لمختلف السياسات المتبعة حتى يتم استخلاص الدروس في الإبان وتصحيح الاختلالات الملحوظة دون أبطاء، فمنظوماتنا الوطنية للتربية والتكوين حققت على مدى العقود الخمسة الماضية انجازات هامة، ولكنها أصبحت اليوم معرضة للتهديد أمام التسارع المذهل لنسق التغيرات العالمية والتحولات النوعية في أنماط الإنتاج وطرق الإدارة والتسيير ووسائل انتقال المعلومة وما يفرضه ذلك من امتلاك القدرة على الاستجابة الفورية لتلك التحديات والأخذ بأسباب القوة للتقدم والنجاح.

والحلول لهذه المعضلات كما لبقية القضايا الوطنية الكبرى ليست جاهزة ولا يمكن لأي طرف إدعاء حيازة الوصفة السحرية لمعالجتها.

لذلك تدعو حركتنا مجددا إلى فتح استشارة وطنية حول مختلف جوانب ملف التربية والتكوين والبحث العلمي باعتباره أولوية وطنية مطلقة، وتوفير الظروف الملائمة لمشاركة كافة الأطراف، وإيلاء اهتمام خاص بآراء ومشاغل المتدخلين الأساسيين ممثلين بإطارات التعليم في مختلف مستوياته والطلبة ونقاباتهم الشرعية الممثلة ولخبرات أهل الاختصاص في مجال التكوين المهني، فالقضية تهم المجتمع بأسره وتتطلب تشخيصا دقيقا لمواطن الضعف ووفاقا وطنيا حول سبل الخروج من أزمة النجاعة المزمنة للمنظومة التربوية، والقطع مع المعالجات المرتجلة والمتلاحقة المسقطة بقرارات بيروقراطية فوقية سرعان ما يتم التراجع عنها بمجرد تغيير على رأس الوزارات المعنية. وحركتنا جاهزة فيما يخصها للانخراط بحماس في أي مجهود وطني يبذل في هذا الاتجاه. بما يمكّن من استعادة إشعاع منظومتنا التربوية وتفعيل دورها المحوري في نمو بلادنا وتقدمها على كافة الأصعدة وفي جميع الميادين

والسلام

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose