Mouvement Ettajdid حركة التجديد

الصفحة الأساسية > عربي > ثقافـة و فـنون > مقــالات عـن حيــاة وفـكــر محمود أميــن العالــم

مقــالات عـن حيــاة وفـكــر محمود أميــن العالــم

الأربعاء 21 كانون الثاني (يناير) 2009

عن جريدة "الأهالي" الأسبوعية – 14 يناير 2009

من المجد الفرعوني

الاسم : محمود أمين العالم
تاريخ الميلاد : 8-2-1922
الاسم الحركي : فريد.

المهنة : مصري.. مفكر.. .. مناضل.. فيلسوف.


د. رفعت السعيد

امتلكت مصر كثيراً من الفلاسفة المبدعين، وعاش في رحابها كثير من المناضلين السياسيين، لكن أحداً غير محمود أمين العالم لم يفعلها في مصر.. أن يجمع بين جسارة التفلسف المتقن، وإبداع النضال المتفاني.. ولهذا استحق هذه الصفحات، بل هو يستحق أكثر.. وأكثر..

في رحاب هذا العطر الدافئ المتدفق من مآذن القاهرة القديمة، وبين حواري وأزقة هذه المساحة التي تتأرج فيها أسماء تتركب أحرفها من العبق المصري الأصالة... مثل الكحكيين، والباطنية والقربية والسكرية وحيضان الموصلي ودرب المحروق، بينما تضيئها مصابيح من الأسماء اللامعة : الأزهر، الحسين، الرفاعي، المؤيد، في هذه الرحاب عاش ثلاثون عاما هي بالنسبة له «سفر التكوين» الأول، والأكثر حسما.. المصرية الحميمة المصممة علي الاستحمام الدائم بطمي النيل ومائه المعطر، التدين المغموص بالسماحة الشعبية والعشق الصوفي، إعمال العقل النابع من حوارات حصيفة ومتقنة مع عشرات من مثقفي جيل يسبقه، لكننا بهذا نسبق الزمن بل نسابقه، فلنعد مع الفتي الصغير وهو يتجه في حماس خائف إلي كتاب الشيخ السعدني في مدخل حارة السكرية عند بوابة المتولي، وعلي يدي الشيخ السعدني أو بالدقة مع لسعات عصاته الطويلة المدي حفظ الفتي كثيرا من القرآن، ثم قفز به إلي المدرسة الرضوانية الأولية بالقربية، ومنها إلي مدرسة النحاسين الابتدائية بالقرب من ميدان بيت القاضي بجوار مسجد الحسين (لم يكن الأمر سهلا، فالأب فقير، ذات صباح أوقفه أمام باب المدرسة، أخرج من «عبه» كيسا من الدمور تدحرجت منه قطع من النقود، عدها ثم عاود العد، وجدها لا تكفي، تركه علي باب المدرسة وأسرع الخطي ليقترض ما تبقي لاكتمال مصروفات المدرسة من قريب له هو الشيخ منير الدمشقي صاحب المكتبة المنيرية) ويتواصل الفتي مع الدراسة عامآً، عامين ثم يقف الفقر حاجزا بينه وبين التعلم، يرضخ للأمر الواقع، وترضخ الأسرة كذلك، فقد فصلته المدرسة نهائيا لعجزه عن سداد المصروفات، صحبته أمه إلي زوج أختها الشيخ منير الدمشقي وكان يمتلك مطبعة ومكتبة، وتقرر أن يتدرب الفتي ليصبح «مطبعجي»، إنها أوامر الفقر التي لا مفر منها.

يحكي هو عن هذه التجربة «كان هدف أمي أن أتعلم صنعة بدلا من مكثي في البيت، وفي بضعة أسابيع استطعت أن أتعلم جزءا كبيرا من صندوق الحروف، تركيب الجمل والعبارات، وربطها بالخيط مع الجمل الأخري، وأبني صفحة كاملة من الرصاص، علي أني في أغلب الأوقات كنت أعمل مساعدا للعدد البسيط من العمال الذين كانوا يعملون في المطبعة، لا في الأعمال الطباعية أساسا وإنما في الخدمات الصغيرة كإحضار الشاي وشراء السجاير لهم إلي غير ذلك»0

(التكوين- مجلة الهلال - مارس 1993)

شفاء جلالة الملك

وثمة أشياء غريبة تحدث لتغيير مسار الأشياء ، ومسار حياة البشر إنها «المصادفة» البحتة التي منحت مصر الفيلسوف المناضل محمود العالم بدلا من الأسطي محمود أمين المطبعجي0

ويحكي هو «لم تطل غيبتي عن المدرسة إذ سرعان ما جاء خطاب رسمي منها يدعوني إلي العودة معفي من أداء المصروفات! وكان السر وراء ذلك أن الملك فؤاد كان مريضاً آنذاك وشفي. فتقرر منح المجانية للمتفوقين في سنوات الدراسة الابتدائية» (المرجع السابق).

هكذا عاد لنا محمود كي يكمل مشواره نحونا. انها المصادفة البحتة. فهل هي مصادفة أن يعد رسالة الماجيستير عن «المصادفة»؟

لكنه ما أن أمسك الخيط مرة أخري حتي تشبث به بكلتا يديه، فما لبث أن حصل علي جائزة من وزارة المعارف، ثم استطاع شوقي الأخ الأكبر أن ينتزع له مجانية (أو نصف مصروفات ــ لم يعد هو يتذكر علي أيهما كان الأمر) بواسطة وساطة لنجيب الهلالي. ثم عندما تأرجحت دراسته الجامعية بين الانقطاع والتواصل، نزعت أخته عائشة بضع قطع من الحلي الذهبية هي كل ما امتلكت لتمنحها له كي يكمل دراسته، لكنه توظف.. ودرس، وبهذا اجتاز حاجز الفقر الذي طارده بشكل وكأنه متعمد ليمنعه من مواصلة دراسته.

مكونات التكوين

إذا أردتم أن تعرفوا من هو محمود العالم.. تجولوا بأقدام عارية، بعد أن تتوضأوا في مسجد المؤيد.. في كل حواري هذه المساحة القاهرية العريقة التي عاشها وتعايش مع مفرداتها. ثم تسلقوا شباكاً من شبابيك جامع المؤيد حيث اعتاد أن يصعد ليذاكر دروسه، وافتحوا المصحف ورتلوا بعضاً من القرآن، ثم استحضروا كتباً لنيتشه، وشروحاً لعبدالرحمن بدوي وتوفيق الطويل، ثم كتاب «لينين المادية والنقد التجريبي» وعدداً من كتب انجلز.

(عندما تجاسر ونشر رسالته لنيل درجة الماجيستير نوفمبر 1969) كتب في مقدمته لها «علي أني أحب أن أعترف بشيء، لم أستطع أن أصرح به كاملاً في البحث عندما تقدمت به لنيل درجة علمية من الجامعة آنذاك، لقد بدأت هذا البحث غارقاً حتي أذني في الفكر المثالي، هادفاً لاتخاذ «المصادفة» معولاً لتقويض الموضوعية العلمية، وهذا ما اعترفت به في بداية البحث، أما ما لم أعترف به فهو أني خلال البحث، بل في مرحلة متقدمة منه.. التقيت بكتاب «المادية والنقد التجريبي» لمؤلفه لينين، الذي قادني بدوره إلي كتاب «جدل الطبيعة» لانجلز، وكان هذا حدثاً فكرياً في حياتي، قلب تصوراتي الفلسفية رأساً علي عقب فأمسكت بالمعول نفسه ورحت أقوض به الفكر المثالي الذي كان يستغرقني تماماً. واقتضاني هذا سنوات أخري أخذت فيها أنسج البحث منذ البداية علي نول موضوعي جديد. بل رحت أجدد كذلك حياتي الفكرية عامة، وأبدأ مرحلة جديدة من الحياة).. امزجوا هذا كله مع لويس عوض وآرائه النقدية للاشتراكية لتحاولوا أن تتعرفوا علي مكونات هذا التكوين.. لكن ذلك كله لا يعطي سوي قليل من حقيقة الحقيقة.

الأب.. الابن.. والابن .. الآخر

فهنا يكمن الجوهر... «كان أبي من رجال الدين. وكان من أتباع الشيخ محمود خطاب مؤسس الجمعية الشرعية.. وكان أبي علي صداقة حميمة بالشيخ محمود خطاب.. فكان يذهب إليه عصر كل يوم في مسجده الذي بناه في حارة في المغربلين بعد نهاية شارع الخيامية.. كنت أذهب مع أبي أحياناً. كنا ننتظر الشيخ عند أسفل السلالم الداخلية لبيته الذي كان ملحقاً بالمسجد، ويقبل الشيخ في عباءته الفضفاضة وجلاله المضيء الفريد إلي مجلسه من ساحة المسجد، ويتحلق حوله مريدوه. وكان للشيخ محمود خطاب مهابة ما أزال استشعرها حتي اليوم. ما أزال استشعر صفاء وجهه وشفافية نفسه».

(التكوين. الهلال. مارس 1993)

والأخ. أزهري. كفيف. هو الشيخ أحمد. كان له فضل استدراج محمود إلي ساحة التعرف علي العلوم الشرعية والتراث القديم بشكل عام منذ السنوات المبكرة. الأزهري الكفيف كان حريصاً علي أن ينقل كل كتبه الدراسية إلي طريقة «برايل» وكان بحاجة إلي من يمليه. أو يقرأ له «ولقد ظللت أمليه منذ أن استطعت القراءة حتي سن المراهقة. خائضاً في مختلف كتب التفسير، والحديث، وأصول الدين، وعلم الكلام، واللغة إلي غير ذلك، أفهم بعض المعاني ويغيب عني أغلبها، ولكني أعيش عطر ثقافة عريقة لايزال رحيقها الغامض يغمر نفسي» (المرجع السابق).. أما الابن الآخر فهو «شوقي» الذي كان نعم الأخ والأب والعائل. وكان أزهرياً هو أيضاً، لكنه تمرد علي الأزهر وبينما لايزال في الابتدائية الأزهرية ألف كتاباً ينتقد فيه الأزهر ورجاله أسماه «الأزهر فوق المشرحة» ففصل من الأزهر لكنه شق طريقه في مجال الكتابة والأدب واللغة، وتحمل عبء الدعوة لإنشاء مجمع اللغة العربية. وعندما تأسس عين موظفاً فيه، ثم أصبح عضواً بالمجمع. وكانت مكتبة شوقي الزاخرة هي المنهل الذي عاش محمود في غماره زمناً طويلاً، وكان شوقي صديقاً حميماً للأستاذ كامل كيلاني الذي كان يسمي آنذاك نقيب الأدباء، وكان داعية عالي الصوت للاهتمام بأدب الطفل والتأليف المتعدد الجوانب لهم.. وبادر هو فكتب المئات من الكتب للأطفال ما بين قصص وتاريخ وعلوم وجغرافيا وغيرها.. وإذا كان شوقي يصطحب أخاه الأصغر معه فقد اتخذ منه كيلاني معياراً أو مقياساً ليقيس به مدي تفهم الأطفال لما يكتب، ومدي قدرتهم علي استيعابه، ومدي استجاباتهم له. رويداً رويداً أصبح «المقياس» شريكاً في جلسات الكبار.. بل والكبار جداً. لينبهر ويواصل الانبهار بمحاورات ومناظرات وجدل راقي المستوي في مختلف مناحي المعرفة.. وهكذا كتب علي الفتي أن يسبق سنه. فالشيخ أحمد يفرض عليه قراءة الشروح والمتون في الشريعة والفقه واللغويات، والشيخ (السابق) شوقي يصطحبه إلي جلسات الكبار ليمتع نفسه بحواراتهم.

مكونات أخري

لكن تكوين عقلية كعقلية محمود العالم تحتاج إلي ما هو أكثر.. وهكذا تتكشف أشياء غريبة.. هوايات غريبة. لعب الشطرنج الذي تحول معه إلي عشق.. وهام بالشعر، هل قرأتم بعضاً من شعره؟ له أشعار كثيرة جداً. منها ملحمة بدأت برسالة إلي الله.. يارب ياخالق للنار والعدم وخالق الشيخ للجنات والنعم، طرقت بابك ياربي وقد أثمت كفي كما بعت في سوق الضلال دمي كم أتمني علي محمود العالم أن يتجاسر فيجمع أشعاره أو حتي بعضاً منها في ديوان.. فهي في نهاية الأمر ليست ملكاً خاصاً له.. ومع الشعر كانت الموسيقي الكلاسيكية في جماعة الجرامفون بالجامعة (هناك التقي مع طالبة من قسم اللغة الانجليزية هي سميرة الكيلاني. وفي عام 1952 تزوجا).

.. ومن الشعر والشطرنج والعلوم الشرعية ومناقشات الصحاب الكبار.. إلي الفلسفة سريعاً رغم أنه كان موزع الجهد بين الدراسة والعمل.

وفي محطة الفلسفة اصطدم بقطار لا يرحم د. عبدالرحمن بدوي.. واستمعوا له «في المرحلة الجامعية كنت أتراوح فكرياً بين نيتشوية ووجودية عبدالرحمن بدوي، واشتراكية لويس عوض «لكن الفتي لم يمتثل لأي منهما. فعقله النشط أخضع كل شيء للانتقاد المرير. ونواصل الاستماع إليه» والغريب أنني كنت أري في وجودية عبدالرحمن بدوي ــ خاصة بعد أن طبع رسالته عن الزمان الوجودي ــ أنها وجودية مغدورة ــ ذلك لأنه صبها في قوالب ومقولات تجمد في رأيي آنذاك طبيعتها الوجودية.. وكان موقفي مشابها من اشتراكية لويس عوض. كنت أراها اشتراكية ملتبسة غير علمية (الهلال مايو 1993).

وأنقذه ــ لبعض الوقت أستاذه د. يوسف مراد بمنهجه التكاملي وبعدها انغمس في جمعية «علم النفس التكاملي» التي جعلت من نفسها جسراً «بين مثاليتي وماركسيتي» كما يقول هو (أدب ونقد.. أكتوبر 1992).

إلي الجامعة.. خارج الجامعة

عاش الجامعة موزع القلب.. طالب، موظف، قارئ، يستمع للموسيقي ينسج أشعاراً، يلعب الشطرنج، يغازل السياسية ثم ينغمس فيها، يشاكس حتي طه حسين في سلسلة مقالات مريرة وحادة ومتفجرة كتبها هو وعبدالعظيم أنيس طبعت في كتاب «في الثقافة المصرية».. وتبدت له إمكانيات الاستقرار. إذ حصل علي درجة الماجيستير وعين مدرساً مساعداً لمادة المنطق وفلسفة العلوم. واستقر رأيه علي أن يعد رسالة الدكتورة حول موضوع «الضرورة» باعتبارها الوجه الآخر للمصادفة. كان النجم يتألق.. حصل علي جائزة الشيخ مصطفي عبدالرازق للفلسفة. وأصبح برصيده الفكري ومشاغباته الحوارية ونشاطه السياسي و الثقافي واحداً من فرسان الجامعة الذين مزجوا المحاورات الفلسفية بالحديث عن الوطن، الديمقراطية والدكتاتورية العسكرية، حرية الرأي، فهل يمكن.. أن يستمر؟.. بمعايير الزمن الناصري لم يكن الأمر ممكنا.. وطرد من الجامعة.. ونستمع إليه في عصر يوم من أيام صيف 1954 استدعيت لمقابلة د. يحيي الخشاب عميد الكلية، وجدت معه د. لويس عوض أبلغنا د. الخشاب بحزن عميق وتأثر صادق قرار فصلنا من الجامعة، وأتذكر الآن الطريق الذي أخذنا نقطعه بتمهل لويس عوض وأنا من كلية الآداب حتي ميدان الجيزة.. ما تكلمنا كثيرا، لا شك أن حزنا ذاتيا كان يملأ قلبينا، كنت أحس شخصيا بأن حلمي بالمشروع الفلسفي أخذ يتلاشي، وأشعر بتهديد غامض لمستقبل ابنتي الوليدة، ولكني أتذكر أننا ونحن نفترق.. قلنا معا شيئا واحدا، واتفقنا عليه معا بوضوح وحسم: لن نغيب أبدا عن هذه الساحة التي نمضي نحوها، ساحة شعبنا، بلادنا، ساحة مصر كلها، سنواصل فيها الرسالة التي يؤمن بها كل منا (الهلال - مايو 1993).

وقد وفي بوعده

فقد واصل الفيلسوف حلمه الفلسفي في ساحة النضال الطبقي، دون أن يتخلي عن طاقاته الفلسفية بل وطموحاته الفلسفية.

وتتوالي مراحل عدة.. لعل الكثيرين يعرفونها.. ولعل البعض لا يعرفها، لكن التعرف التفصيلي عليها يبقي أمانة واجبة السداد في عنق صاحبها.. من أجل أن تعرف الأجيال القادمة كيف عالج الفيلسوف متاهات الفعل السياسي.. والنضال الصعب المراس.. سنورد كلمات، مجرد كلمات كل منها تعني عرقا وجهدا وفكرا ونضالا.. وعذابا وما هو أكثر من العذاب، الانضمام لمنظمة النواة (لماذا النواة)؟ سألت، الإجابة: لأنها كانت تدعو لوحدة الشيوعيين وتمصير الحزب، أصبح قائدا للنواة، خاض معركة توحيد الشيوعيين، الحزب الشيوعي المصري الموحد «أصبح أحد قادته» ثم الحزب الشيوعي الواحد، لقاءات مع السادات، محاولة السادات إغراء من لا يمكن إغراءه، وتخويف من لا يمكن إخافته الاعتقال والتعذيب الوحشي في سجون الناصرية، كيف احتملت الفلسفة كل هذا العذاب؟ بل كيف كانت قادرة علي منحه القدرة علي الاحتمال؟ الإفراج في زمن غير الذي كان.

وفي محورآخر نجد.. الصحفي في روزاليوسف، الأديب والناقد البارز، أحد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب.. كتابات لا تنقطع في الأدب والمنطق والفلسفة والسياسة.. محاضر في عديد من الجامعات الفرنسية.. مغترب يرفض الاغتراب عن وطنه ويرفض إغراءات كل من حاولوا احتواءه.

وفي محور ثالث.. نراه بعد السجن رئيس هيئة الكتاب، رئيس مؤسسة المسرح، رئيس مجلس إدارة دار أخبار اليوم، واحدا من قادة التنظيم الطليعي.. متهما في قضية 15 مايو الشهيرة.. ثم من جديد مساهما في إحياء حلمه القديم.

لكن.. ماذا عن العنوان؟

نعم «العنوان من المجد الفرعوني إلي المجد الماركسي» ما معناه؟.

وهو طالب في الثانوي أسس جمعية «المجد الفرعوني».. تحمس للفرعونية كتراث عريق ممتد يمكنه أن ينهض بمصر الحديثة، لكن الجماعة تلاشت في خضم اهتمامات أخري، أما المجد الماركسي فهو أبدا لم يتلاش وهو عندي ليس بالصمود ولا احتمال التعذيب ولا التواصل ولا التضحية.. وإنما بالقدرة والتجاسر علي النظر للماركسية نظرا انتقاديا أي أن تكون ماركسيا حقا إزاء ماركسية حقة.. وليس مجرد أسير لدي طقوس أو نصوص.. وقد فعل محمود العالم ذلك ولم يزل، متعرضا لانتقادات وغباوات كثيرة لعل مبعثها طاقات لا تنضب من الجهل والجهالة ولعلها أصعب وأشد وطأة من تعذيب السجون الناصرية، ما حيلة العاشق إزاء معشوقته سوي أن يستمر العشق، والعشق هنا هو النظر الانتقادي من أجل ماركسية أفضل.. وأجمل.. وأكثر التصاقا بالواقع المصري.

.. وبعد

عفوا فقد تجاسرت فكتبت، فلا الصفحات تكفي، ولا أنا بقادر علي أن أفيك حقك، فعذرا، وليس أمامنا سوي أن نحني رأسنا تحية لمناضل ومفكر لم تنجب مصر إلا القليلين جدا مثله.. فوداعاً يا صديق العمر الجميل.. لكن ضياء فكرك وتاريخ نضالك سيبقيان أبدا معنا ومع الأجيال القادمة.


المتمرد

د. عاصم الدسوقي

عندما تابعت حياة محمود أمين العالم منذ نشأته وحتي انخراطه في صفوف الشيوعيين، وقد عرفت جانبا منها في اكسفورد عندما التقينا في صيف 1974 ، تذكرت ما قاله أديبنا توفيق الحكيم في شرحه لمعني اليمين واليسار في كلمات بسيطة من أن الأصل في الإنسان أنه يميني، وفي اللحظة التي يتمرد فيها علي واقع حياته وظروفها يصبح يساريا، أي ينتقل من حافة اليمين إلي اليسار.

المعني أن الإنسان في طفولته وصباه يعيش تحت سلطة الأسرة يأتمر بأوامرها في النهي عن أشياء والسماح بأشياء دون أن يكون له رأي فيما يأخذ به وفيما يمتنع عنه. ولكن عندما ينضج تفكيره خارج البيت مع رفاق المدرسة وصحبة الشارع، وتتسع آفاق معرفته من تجارب الشعوب الأخري، يبدأ في عقد المقارنات بين هنا وهناك، ويبدي كثيرا من الرفض لما هو قائم ويطالب بالتغيير، يصبح في نظر الذين يعرفونه متمردا آبقا لعب الشيطان برأسه.

نشأ محمود العالم في مناخ ديني في أحضان القاهرة الفاطمية ونجده ينجذب إلي تصوف الحلاج، ذلك المتمرد علي الطقوس الشكلية في الدين "والذي لا يؤمن بقوة مفارقة.."

وفي تلك الأثناء قرأ نيتشه ووجد فيه التقاء روحيا مع الحلاج .. فالحلاج يقول بالإنسان الكامل، ونيتشه يقول بالإنسان الأعلي، أي لا توجد قوي مفارقة تفرض عليه مشيئتها. وأثناء معايشته لمثالية الحلاج-نيتشه، قرأ كتاب "آفاق العلم الحديث" ليعقوب صروف رئيس تحرير المقتطف فنراه يهبط من علياء المثالية إلي عالم المادة.

وفي قسم الفلسفة بالجامعة حيث كانت المقررات الدراسية بعيدة عن الفلسفة المادية والبرجماتية بحكم المناخ السياسي -الثقافي القائم آنذاك، يتعرف محمود العالم أكثر وأكثر علي أركان المدرسة المثالية في التفكير (برجسون وهيجل). وينهي دراسته الجامعية ويمضي في طريق الدراسات العليا بمثاليته التي بدت واضحة في اختياره لموضوع رسالته للماجستير "نظرية المصادفة في الفيزياء الحديثة". ولما كان جوهر التفسير المثالي للظواهر يقوم علي المصادفة وليس علي الأسباب المادية والعقلية، فإن محمود العالم أراد من موضوع رسالته أن يثبت أن المصادفة تحكم كل شيء حتي الظاهرة الطبيعية (الفيزياء)، وأن العلم ليس موضوعيا. وتلك في تقديري قمة المثالية، وحجته في تحديد الموضوع بهذا الشكل أن العلم مصدره الإنسان، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون آليا أو ميكانيكيا في تصرفه، وأن الإرادة والحرية تحكم تصرفاته واختياراته. مع أن الإنسان آنذاك كان قد عرف أسرار تكوين الظاهرة الطبيعية وتطورها من خلال الملاحظة والتجربة وأصبح يتحكم فيها ويخضعها لمصلحته بعد أن كان يخضع لها، الأمر الذي أدي إلي انكماش مساحة التفكير الغيبي في ذهنه لحساب التفكير العقلي المادي.

ثم يقع علي كتاب لينين "المادية والنقد التجريبي" خارج سور الدراسة المثالية بالجامعة فضطرب أركان مثاليته ويؤمن بموضوعية العلم ويبادر إلي تغيير عنوان رسالته إلي "نظرية المصادفة الموضوعية في الفيزياء" ، لكن هذا لم يجعله ماديا تجريبيا. ذلك أن هجوم لويس عوض الدائم علي المادية الجدلية والتاريخية جعله يتحاشي الالتزام الماركسي، ويلوذ أكثر ومعه أنيس منصور "بعقلنة" عبد الرحمن بدوي للوجودية. ولكن ما أن قرأ كتاب إنجلز "جدل الطبيعة" وانتهي من بحثه للماجستير، انصرف عن المثالية إلي المادية الجدلية تاركا أنيس منصور مع وجودية عبد الرحمن بدوي. وأصبح مقتنعا بالعلم في جانبه التطبيقي الطبيعي، وبالماركسية إطارا منهجيا للتفكير المادي.. والحال كذلك .. كان لا بد وأن ينخرط محمود العالم في صفوف الشيوعيين، واختار الانضمام لمجموعة "النواة" باحثا عن الحرية والعدالة الاجتماعية. غير أنه وهو داخل الحركة الشيوعية ظل محتفظا بروحه المتمردة ضد القولبة التنظيمية. فعندما تقوم ثورة يوليو 1952 وتقف ضدها أغلب فصائل اليسار المصري باعتبارها إنقلابا عسكريا فاشيا أبدي احترامه "لنظام عبد الناصر واعتبره وطنيا"، وحدد اختلافه مع الثورة في غياب الديموقراطية وفي استخدام الأسلوب الفوقي في الإجراءات المصيرية مثل الوحدة مع سوريا (فبراير 1958).

وعندما صدرت قوانين التأميم الكبري في يوليو 1961 وهو في معتقل أبو زعبل بعد هجمة يناير 1959 علي الشيوعيين، وسمع خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري يصف التأميم "بأنه يسهم في تكوين رأسمالية الدولة الاحتكارية .. وأن ميثاق العمل الوطني (1962) يمثل الأساس النظري لهذا التحول" ويوافقه علي هذا التحليل كثير من الشيوعيين المصريين، وجدنا أن محمود العالم يرفض هذا التحليل ويختلف مع الذين وافقوا عليه، ذلك أنه رأي في الميثاق مشروعا أكبر من مشروع الحزب الشيوعي المصري نفسه. ولهذا لا يجد حرجا في أن يبرق لجمال عبد الناصر من المعتقل قائلا له: "إن التأميمات العظيمة تحتاج لشكل آخر من التنظيم غير الإتحاد القومي لكي يحميها ويحسن تطبيقها"، فكان هذا الموقف في التحليل بداية خلاف عميق بينه وبين الرفاق.

كانت مشكلة محمود العالم وسط الحركة الشيوعية أنه رأي أن ثورة يوليو تمثل تيارا وطنيا ديموقراطيا اشتراكيا، وعلي هذا الأساس يصبح في الإمكان إن لم يكن ضروريا إيجاد وحدة بينها وبين الشيوعيين لتشكيل حزب ديموقراطي وليس حزبا شيوعيا مثلما حدث في كوبا وبلدان أخري في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ذلك أن الماركسية في مصر -في تقديره- لم تصبح جزءاً من ثقافة المصريين وأنها لم تمصر عكس الصين التي أصبحت الماركسية فيها جزءاً من تراثها الثقافي مثل الكونفوشوسية.

وما أن خرج من المعتقل وتم حل الحزب الشيوعي انضم إلي التنظيم الطليعي داخل الإتحاد الاشتراكي، ثم ضمه عبد الناصر إلي السكرتارية العامة للتنظيم الطليعي وتولي عدة مسئوليات ثقافية تنفيذية في رحاب ثورة يوليو.

ولكن .. وكلما كان يجد الأمور تسير علي غير ما يشتهي ينبض عرق التمرد داخله يغذيه القلق فنراه يعترف في مقدمة كتابه "الوعي والوعي الزائف" بأن حل الحزب الشيوعي كان خطأ كبيرا، وأن وجود الشيوعيين في أجهزة الدولة من خلال الحزب الديموقراطي الذي آمن بإمكانية تكوينه (أي تحالف الشيوعيين مع الثورة) لحماية الثورة ممن يحيطون بجمال عبد الناصر فكرة خاطئة .. والصحيح أن بقاء الشيوعيين مع الجماهير مختلفين مع عبد الناصر كان كفيلا بحماية الثورة.

وفي 1992 وبعد رحلة طويلة من القلق عاوده التمرد مجددا، فنراه يتخلي عن المادية التاريخية، ويرفض أن تطبق نظرية ما علي التاريخ "لأن النظرية تتسم بالعمومية والكلية والثبات والاستقرار النسبي، علي حين أن التاريخ محصلة عوامل ذاتية وموضوعية متداخلة ومتشابكة ومتفاعلة ومتناقضة تشكل إمكانات مفتوحة". ومن هنا يعجبه قول كارل بوبر بشأن عدم وجود قوانين تاريخية كلية، وبالتالي استحالة أن يكون التاريخ علما. والحال كذلك فإن محمود العالم يلتقي مع المثاليين مرة أخري الذين كان يعبر عنهم زكي نجيب محمود في رفضه للحتمية التاريخية واختلف مع محمود العالم.

وفي تلك المرحلة من إعادة النظر نراه يؤكد أن كارل ماركس لم يقل بالمراحل الخمس المتوالية في حركة التاريخ، وأن ستالين في كتابه "المادية الجدلية والمادية التاريخية" هو الذي أشاع هذا الطابع النسقي الغائي، وأعطاه مشروعية ماركسية زائفة، وخطورتها أنها لا تتعلق فقط بالماضي وإنما بالحاضر والمستقبل. ثم ينتهي إلي خلاصة خطيرة لها مغزاها وهي إن المادية التاريخية في التطبيق رؤية مفروضة علي التاريخ وليست رؤية مستمدة من دراسة موضوعية عينية للتاريخ.

وبهذا التحليل الأخير فسر محمود العالم (يوليو 1992) انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط حكم الحزب الشيوعي لأن الماركسية تحولت إلي نسق مطلق مفروض بشكل علوي إرادوي علي المجتمع. وبدلا من أن تكون وسيلة لتحرير المجتمع من الاغتراب أفضت إلي مضاعفة اغترابه وسجنه في نسق نظري، فأصبحت النظرية التاريخية (الماركسية) نظرية غير تاريخية.

واستمرارا لهذا التحليل ينتهي إلي أن النظام الرأسمالي الذي يقوم علي العوامل الذاتية والتنافس، رغم أن جوهره الاستغلال والاغتراب، ينجح في تجديد نفسه ومن ثم في الاستمرار لوجود هذه الحرية النسبية، علي حين يفشل النظام الإشتراكي في نموذجه السوفييتي بسبب تجاهل العوامل الذاتية والإنسانية مع أن الإشتراكية قامت أساسا بهدف إلغاء الاستغلال وإزالة الاغتراب.

وفي عام 1992 أيضا ينتهي محمود العالم إلي أن الفكر القومي يغلب عليه طابع الانفعال الاستعلائي المثالي، ويفتقد الرؤية الموضوعية للتاريخ والمجتمع والواقع عامة، ويتغافل عن حقائق الاختلافات والتمايزات العرقية والطبقية والظروف الاجتماعية الموضوعية في "بلادنا العربية"، رغم أنه فكر يتبني قضية القومية العربية وهي تحرير البلاد العربية جميعا وتقدمها ووحدتها ويناضل من أجل تحقيقها. والصحيح عنده أن الشكل الكونفيدرالي وليس الفيدرالي أو الوحدة هو المناسب في حالة البلاد العربية وقد يؤدي إلي أشكال أعمق في ضوء الممارسة.

وهكذا ظل "فريد" (أي محمود العالم) في الحركة الشيوعية المصرية فريدا في الحياة الثقافية بما قدمه من رؤي إبداعية في عالم السياسة والأدب جديرة بالاهتمام والمتابعة، وفريدا في شجاعته في ممارسة النقد الذاتي الذي لولاه لما كانت هذه المقالة التي كتبتها اعترافا بفضله وتقديرا لعلمه.


قراءات من فكر محمود أمين العالم

محمود أمين العالم

الماركسية... وسرير بروكوست 1-3

عن "الحوار المتمدن" - العدد: 1226 - 2005 / 6 / 12

*لنعترف ان معرفتنا الحقيقية بالماركسية هي معرفة محدودة مسطحة هشة، ولا شك انها امتداد لمعرفتنا النظرية العامة التي تتسم بالمحدودية والتسطيح والهشاشة. فما اشد ضعف وتخلف الفكر النظري عامة في ثقافتنا العامة*

نلتقي لنتناقش حول ازمة الماركسية فكرا وتطبيقا، ونحن جميعا، وبغير استثناء وبدرجات متفاوتة نسبيا، لا نملك المعرفة الحقيقية العميقة بالماركسية. ليس الامر مجرد عيب ذاتي فينا، في مثقفينا. فقد يكون بينهم من عرف الماركسية معرفة نظرية طيبة، واستوعب مراجعها الاساسية، انما هو عيب موضوعي كذلك.

فماركس لم يترجم ترجمة كاملة شاملة في لغتنا العربية، أي انه حتى اليوم لم يدخل في ثقافتنا العامة فضلا عن انه لم يجد طريقه بشكل موضوعي في اعلامنا، وتعليمنا ومدارسنا وجامعاتنا وحتى مجلاتنا وكتاباتنا العلمية الا في صورة عكسية او ضدية في اغلب الاحيان . لقد حوربت كتبه وصودر في اغلب الاوقات المترجم منها طوال السنوات السبعين الماضية. ولهذا لم يتم حوار فكري حقيقي علني مجتمعي حول الماركسية مما كان من الممكن ان يغني ثقافتنا وينمي معرفتنا الموضوعية والنقدية بها، ولعل اغلبنا قد اكتفى او لم يجد امامه الا بعض ما ترجم من كتب ماركسية اغلبها ترجمة ركيكة، او تبسيطات وملخصات مرت على المصفاة السوفييتية الايديولوجية.

ولهذا، فلنعترف ان معرفتنا الحقيقية بالماركسية معرفة محدودة مسطحة هشة، ولا شك ان هذه المعرفة المحدودة المسطحة الهشة بالماركسية هي امتداد لمعرفتنا النظرية العامة التي تتسم بالمحدودية والتسطيح والهشاشة. فما اشد ضعف وتخلف الفكر النظري عامة في ثقافتنا العامة.

لست اتحدث عن المعرفة النظرية في حدودها الفردية، وانما في افقها المجتمعي عامة، افق الثقافة السائدة، ان الفكر النظري لم يتح له التطور والتعمق في مجتمعنا وثقافتنا سواء في ظل الاحتلال البريطاني منذ 1882 حتى 1952. او منذ 1952 حتى الآن، لقد غلب الفكر العملي البرغماتي، او الفكر النظري الانتقائي او التوفيقي.

والغريب ان يكون هذا هو مصير الفكر النظري الماركسي في مصر رغم نشأة الحركة المصرية منذ بدايات القرن العشرين وهي قضية جديرة بالدراسة في بعديها الذاتي والموضوعي.

واليوم نحن نلتقي لنتساءل عن حقيقة الماركسية وعن مصيرها وعن ازمتها، وعن دلالتها في مجتمعنا وفي عصرنا.
وتساؤلاتنا واجاباتنا ستكون بالضرورة محدودة بحدود معرفتنا بالفكر الماركسي كما ذكرت من قبل.
ولهذا قد يكون من المفيد ان نحدد اولا بعض المعالم الاساسية للماركسية حتى يستند حوارنا ونقاشنا على اسس واضحة، مهما كانت هذه الاسس محدودة ومجزأة.

ولهذا قد احرص على ان اقول منذ البداية وقبل دخولنا في الموضوع، اننا احوج ما نكون الى توافر ترجمة عربية صحيحة كاملة لمؤلفات ماركس، فضلا عن العناية بدراستها دراسة معمقة في ضوء خبراتنا الخاصة فضلا عن مختلف الخبرات العلمية العالمية حولها التي توافرات طوال السنوات الماضية.

الماركسية ليست كل ما قاله ماركس، فلقد عالج ماركس قضايا متعددة وبمستويات مختلفة وعبر مراحل زمنية ومتنوعة.
ولم تتشكل ما نسميه بالماركسية دفعة واحدة، بل تمت وتحددت عبر خبرة طويلة من المعرفة الفلسفية والعلمية والممارسات النضالية والعملية. وقد نتبين في بعض مفاهيمها اختلافات في التركيز على بعض الجوانب او في بعض الدلالات.

ولهذا فقد تكون النظرة التاريخية والموضوعية لماركسية ماركس، هي متابعة تطوره الفكر لا من حيث ما جاء في كتاباته ومواقفه فحسب، بل من حيث علاقة هذه الكتابات والمواقف بالسياق الاجتماعي والتاريخي والثقافي الذي نشأ وعاش فيه وتأثر به.

فبهذا تكون دراستنا ماركسية حقا للماركسية، فماركسية ماركس هي ثمرة اوضاع تاريخية واجتماعية وفكرية محددة الا ان ما يسبغ عليها صفة النظرية، أي اعتبارها ماركسية لا مجرد كتابات ماركس، بل هو ارتفاعها من مستوى القراءة الوصفية للواقع الآني في عصره، الى التحديد العلمي والفلسفي والتوجيه العملي المستخلص من هذا الواقع والذي يصلح ان يكون رؤية شاملة، وفاعلية مؤثرة في حركة الواقع في عصره، وفي تغييره تغييرا جذريا ذا طابع انساني مستقبلي شامل.
هذا معنى انها نظرية أي انها نسق متجانس مترابط موحد من الافكار التي تسعى لتفسير المشاكل الاساسية التي تواجهها الانسانية وتتضمن منهجا لحلها او لحل جانب منها.

وفي تقديري ان الذي يميز هذه النظرية عن غيرها من الانساق النظرية والفلسفية السابقة امور ثلاثة:
الاول: انها تستمد عناصرها ومعطياتها وبالتالي قوانينها من الدراسة العلمية العينية الملموسة للواقع الاقتصادي والاجتماعي الفكري والصراعي فضلا عن حركة التاريخ عامة فهي ليست مستخلصة من افكار ونظريات او عقائد او مرجعيات او خبرات سابقة، وان تكن تتمثلها وتستلهمها بغير شك، وانما تستمد افكارها من الوقائع كما ذكرنا فضلا عن الخبرة العملية والممارسة النضالية.

الامر الثاني: هو انها ليست مجرد نظرية معرفية علمية تستمد صدقها من الدراسة العلمية الموضوعية وانما تتضمن كذلك موقفا موضوعيا كنظرية، لتغيير الواقع تغييرا جذريا لاقامة واقع مغاير يتخلص فيه الانسان من الفقر والقهر
والاستغلال وتتفجر فيه انسانيته الابداعية وتتوافر له الحرية الحقيقية.

الامر الثالث: انه ليس بين الامر الاول والامر الثاني فواصل او مسافات، بل هما متداخلان متفاعلان فالمعرفة لا تهتم بالفكر المجرد التأملي وانما بالبحث العلمي من ناحية، والفاعلية والممارسة العملية الانسانية من ناحية اخرى، ان الممارسة العملية تتم وفق هذه المعرفة، وان تكن الممارسة مصدرا اساسيا في الوقت نفسه لهذه المعرفة. ولعلنا نجد هذه العلاقة بين المعرفة والممارسة منذ وقت مبكر في اطروحات ماركس عن فيورباخ التي كتبها عام 1845.
وتأسيسا على هذا فالماركسية تقف من حيث جوهرها ضد امرين: ضد التجريد المطلق من ناحية وضد التجريب البرغماتي الجزئي من ناحية اخرى، وبالتالي ضد أي فكر عقائدي دوغماطيقي غير نقدي وغير علمي وضد أي ممارسة تقوم على هذا الفكر..

ولو تتبعنا تطور فكر ماركس لوجدناه ينتقل من الايديولوجيا الهيغلية الى الاقتصاد السياسي عبر المشاركة النضالية السياسية.

ولهذا، في تقديري المتواضع، ومع احترامي لقول لينين بالمصادر الثلاثة لفكر ماركس هي الفلسفة الالمانية عامة والهيغلية خاصة، والاشتراكية الفرنسية الطوباوية والاقتصاد السياسي الانجليزي، وانها اكتمال لهذه المصادر، فانني ارى ان الماركسية ليست مواصلة واكتمالا لهذه المصادر على حد تعبير لينين، بل هي نقد لها وقطيعة معها وخروج عليها. وبهذا المعنى، وليس بمعنى الاكتمال، تكون هذه التيارات الفلسفية والسياسية والاقتصادية في مصادر الفلسفة الماركسية. الا ان هناك مصادر موضوعية اخرى قد تكون هي الركائز المرجعية للماركسية، هي في تقديري التطورات العلمية في مجال الفيزياء وفي مجال علمي التاريخ والاجتماع، فضلا عن التغيرات القومية والاجتماعية والاقتصادية وما صاحبها من صراعات منذ بداية عصر النهضة واندلاع الثورة الفرنسية وبخاصة الصراعات الطبقية وبروز الطبقة العاملة في مواجهة السلطات البرجوازية الجديدة.

اما من الناحية الفلسفية فلا شك في تأثر ماركس تأثرا نقديا بهذه المصادر الثلاثة وبخاصة فلسفة هيغل وتجاوزه لها، الى جانب ثقافته الانسانية الواسعة لمختلف المجالات والتيارات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية. بل لعل بعض الدراسات الجديدة للماركسية تتكشف تأثرا كبيرا لماركس بفلسفة ارسطو وخاصة فيما يتعلق بمفهوم الوجود بالقوة والوجود بالفعل الذي يكاد ماركس يفسر بها المراحل الانتقالية في التحولات الاجتماعية، الى جانب تأثير فلسفة ابيقور في تطوير مفهوم الحرية.

اردت ان اؤكد تعدد مصادر الفلسفة الماركسية في جوانبها الثلاثة الفلسفية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ولست اقصد بهذا رصدا تقريريا لمصادر الماركسية، بقدر ما احرص على تأكيد مصادرها المتعددة، وبيان اين تقف الماركسية من التراث البشري عامة، ليكون هذا درسا لنا عندما نتحدث عن الماركسية في العصر الراهن. ان انتقال ماركس من المثالية الالمانية الى الاقتصاد السياسي هو دلالة رمزية موضوعية في آن واحد على انتقال من المجرد للعيني الملموس، او بتعبير آخر من المثالية الى المادية.

على ان مفهوم المادية عند ماركس مفهوم خاص مختلف تماما عن مفهوم المادية عند الفلاسفة السابقين عليه، وبخاصة الفلاسفة التجريبيين الحسيين في الفلسفة الانجليزية (مثل هوبز ولوك وهيوم) او فلسفة الانوار الفرنسية عند هولباخ وغيره.
فمادية ماركس ليست تعبر عن قوانين مسبقة تقول بان المادة هي الجوهر النهائي لكل شيء، وليست ذات رؤية جزئية حسية خالصة، وانما تعني معرفة الاشياء والوقائع كما هي في تحققها الفعلي لا في تصوراتها الوهمية ولا في جزئياتها المنعزلة.

وانما في علاقاتها وتشابكاتها التي تتخذ اشكالا مختلفة وفي تفاعلاتها وحركاتها وتغيراتها وبهذا المعنى كذلك فهي جدلية، وليس في فكر ماركس، هذا الفصل – كما يكتب كثيرا - بين المادية والجدلية.

بل ان المادية عنده غير مفصولة عن الجدلية، والجدلية هي جوهر المادية وحقيقتها. فلا مادية بالمعنى العملي الحقيقي في المصادر النظرية الماركسية ان لم تكن جدلية حقا، هناك فكر مادي غير جدلي نجده في الفلسفة الطبيعية القديمة او بعض جوانب الفلسفة الوضعية، وهناك جدلية غير مادية نجدها في الفلسفة المثالية، ولكن المصادر النظرية الماركسية تقول بالطابع الجدلي للوقائع المادية. ولعلنا نجد في كتابات ماركس ما يجعل الجدلية هي اساس المادية وجوهرها، ولهذا قد نجد في كتاباته تعبير الجدلية المادية لا المادية الجدلية.

المهم في هذا كله هو ان المادية الجدلية والجدلية المادية التاريخية وهما ثيمتان نظريتان اساسيتان في الفلسفة الماركسية، لا يمثلان مقدمات مجردة نفرضها على الوقائع فرضا. او نستخلص منها القوانين المتحكمة في هذه الوقائع، وانما نتبينها ونستخلصها بالبحث والدراسة في الطبيعة والتاريخ.

وفي ضوء هذا نحاول ان نحدد العلاقة بين النظرية والمنهج في الماركسية. الماركسية في تقديري نظرية كما هي منهج في الوقت نفسه. وتكاد كل فلسفة وكل نظرية ان يكون لها منهجها المستمد منها. الفلسفة الوضعية مثلا تقول انه لا يوجد في الواقع غير الوقائع الحسية الجزئية، ولهذا ترفض القول بموضوعية الاحكام العامة. ولهذا فان منهجها هو تفكيك التعابير والاحكام العامة تفكيكا الى وحدات لغوية جزئية لاختبار مدى مطابقتها او عدم مطابقتها مع معطيات الواقع الجزئية الحسية.

ولهذا نرى ان الماركسية بمصادرها المادية الجدلية بالنسبة للطبيعة والتاريخ، ترفض التجريدات المطلقة، كما ترفض القول بالجزئيات المنعزلة، وتقول بالوقائع المادية في علاقتها المتشابكة المتفاعلة المتحركة المتغيرة المتصارعة. ولهذا فمنهجها يتسلح بهذه الرؤية نفسها. او بهذه المصادرة النظرية نفسها، ويسعى لكشف هذه العلاقات وتحديد قوانين حركتها، التي قد تختلف باختلاف الوقائع والملابسات الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية.
ولهذا، اسمحوا لي ان أقف لأتحفظ قليلا ازاء تعريف لينين للجدلية بانها علم القوانين العامة للحركة في العالم الخارجي والفكر الانساني، ان مثل هذا التعميم قد يوحي بأن الحركة في العالم الخارجي المادي والاجتماعي والفكر الانساني قوانين عامة. وهذا قول يقيني قاطع يكاد يعيد – وان يكن بشكل مختلف – في الواقع الطبيعي والانساني. حقا، ان لينين في العديد من دراساته يختلف مع تعبيره التعميمي السابق هذا، فهو يلجأ دائما الى التحليل العيني للظواهر كشفا عن قوانينها الخاصة، بل لعلنا نذكر تعريفه للماركسية بانها التحليل العيني الملموس للظواهر العينية الملموسة.
ان مفهوم المادية الجدلية عند ماركس رغم انه يستند الى مصادر نظرية مادية جدلية فانه منهج لاكتشاف القوانين النوعية المختلفة باختلاف الاوضاع والملابسات والظروف، ولا يقول بشكل قبلي انه سابق على التجربة بالقوانين العامة في العالم الخارجي المادي والاجتماعي والفكر الانساني، ولعل هذه الرؤية الاطلاقية القبلية للجدل هي التي كانت – بعد ذلك – وراء ما يسمى بالـ Dia Mat في الاتحاد السوفييتي الذي صيغ باعتباره الفلسفة الرسمية للحزب والدولة والذي تم تقنينه عام 1934. وسوف نشير الى ذلك فيما بعد.


محمود أمين العالم

ألماركسية... وسرير بروكوست: 2-3

"الحتميـة" أبعد ما تكون عن الميكانيــكيـة اللاهوتـيـة،
بل إنها تـتـأسّـس بالوعـي والممارسة الإنسانيــة

عن ’الحوار المتمدن’ - العدد: 1233 - 2005 / 6 / 19

*فيما يلي الحلقة الثانية من دراسة المفكر الماركسي المصري، وهو يكتب فيها: ان مقولة الضرورة والحتمية عند ماركس ليست احادية الجانب، وليست لاهوتية، او ميكانيكية او اقتصادية، بل إنها تتضمن القول بالعوامل المتعددة المتفاعلة والتي يلعب الوعي الانساني والممارسة الانسانية دورا اساسيا بينها، وان كان للعملية الانتاجية الدور الحاسم في نهاية المطاف. أما من يصفون نظرية ماركس بتلك الحتمية الميكانيكية أو اللاهوتية، فهم من خصوم الماركسية (وبعضهم من اشياعها كذلك!)*

ليس معنى هذا انتقاء القوانين العامة، ولكن القوانين العامة هي ثمرة الدراسة العينية للوقائع العينية، التي يمكن ان نرتفع بها بالبحث والدراسة الى التعميم الى قوانين عامة التي بدورها قد تختلف في دلالتها باختلاف الملابسات والاوضاع الاجتماعية والتاريخية، أي بتعبير آخر انها لا تُفرض مسبقا ولا تكون لها صفة الاطلاقية والابدية، وانما تكون موضوع دراسة وبحث باختلاف الملابسات والاوضاع.

والواقع ان هذا الفهم الاطلاقي للمادية الجدلية يكمن وراء فهم اطلاقي لمفهوم آخر هو مفهوم الضرورة والحتمية عند ماركس. يقول ماركس في النص المعروف في مقدمة كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" ان الناس في انتاجهم الاجتماعي لوجودهم يدخلون في علاقات محددة ضرورية مستقلة عن ارادتهم، علاقات انتاج تتفق مع درجة التطور المحدد لقواهم المادية الانتاجية. ان مجموع علاقات الانتاج هذه تكون البنية الاقتصادية للمجتمع والاساس المادي الملموس الذي يقوم عليه الاساس الفوقي القانوني والسياسي والذي ترتبط به اشكال الوعي الاجتماعي المحددة، ان نمط الانتاج المادي هو الذي يحدد ويشرط سيرورة الحياة الاجتماعية والعقلية عامة. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم وانما العكس، ان وجودهم هو الذي يحدد وعيهم".

ان بعض القراءات الجامدة الاطلاقية الشكلية لهذا النص تسارع الى القول بان الوجود الانساني محكوم ومشروط بشكل حتمي بالواقع المادي. وهذا الواقع المادي هو الذي يحدد المسار التاريخي الانساني كله.
على ان القراءة الموضوعية لهذا النص، تكشف منذ بدايته ان انتاج الناس لوجودهم الاجتماعي هو الذي يفضي الى تحقيق علاقات مستقلة عن ارادتهم الفردية. وهذا لا ينفي اولا مشاركتهم في شكل هذه العلاقات وانما يكون بشكل غير ارادي، أي بشكل موضوعي. وهنا تلتقي الممارسة الذاتية بالتشكل الموضوعي، الذي سوف يعود بدوره الى التأثير في الوعي الذاتي، والممارسة الذاتية، بما يفضي بدوره الى اشكال اخرى متطورة من العلاقات.

أي هناك تفاعل بين الذاتي والموضوعي، هناك ضرورة موضوعية تتحقق بالممارسة الاجتماعية، على ان هذه الضرورة الموضوعية يمكن ان تتغير بالوعي الذاتي بها. ولهذا يقول ماركس بوضوح ساطع "ان الناس هم الذين يصنعون التاريخ" ولقد فسر ذلك قائلا "حتى الآن فعلوا ذلك بغير وعي خاضعين لقوى اقتصادية واجتماعية لا يفهمونها ولكنهم قادرون الآن على الوعي"، بها هذه – في تقديري – القيمة الثورية التاريخية الاساسية للماركسية.

ان مقولة الضرورة والحتمية عند ماركس ليست احادية الجانب، وليست لاهوتية، او ميكانيكية او اقتصادية. ان المثل الذي يضربه ماركس للتعبير عن تغير نمط الانتاج بين مرحلة واخرى، بالطاحونة اليدوية، وبطاحونة الهواء، لا تدل على ان العامل الميكانيكي او الاقتصادي هو العامل الوحيد المحرك للتاريخ. ولم يقل ماركس – كما اوضح انجلز – في دراسة خاصة، ان الاقتصاد هو العامل المحدد الوحيد للسيرورة التاريخية.

ان مقولة الضرورة والحتمية تتضمن القول بالعوامل المتعددة المتفاعلة والتي يلعب الوعي الانساني والممارسة الانسانية دورا اساسيا بينها، وان كان للعملية الانتاجية – لا الاقتصاد بالمعنى الميكانيكي الآلي – الدور الحاسم في نهاية المطاف، وهذا ما يجعل مفهوم الضرورة والحتمية في الفكر الماركسي تكاد تكون، ان لم تكن، هي بالفعل مرادفة لمفهوم الامكانية. فالعالم في الماركسية لا يحكمه قانون من التطور الكلي الذي يتوجه نحو غاية معينة، فليس هناك شيء كامن في الطبيعة والتاريخ، أي نوع من العقلانية المحايدة التي تحكم الموجودات والاحداث الفردية وتوجهها توجيها احادي الاتجاه. ان ماركس يرفض بشكل قطعي هذه الرؤية القدرية للتاريخ. يرفض القول بتاريخ يتبع غاية خاصة مستقلة عن غايات يريدها الناس، فهذه الغاية لن تتحقق الا بمشاركة واعية وارادية للناس الذين يستطيعون في الوقت نفسه تحقيق غاياتهم الفردية في ضوء ادراكهم للظروف الموضوعية القائمة. ان سيرورة التاريخ عند ماركس يتحرر فيها الناس بانفسهم من الضغوط والقيود الطبيعية والاجتماعية، انه تحقيق للذات وتفتح متطور لا نهاية له، وليس مغلقا على غاية محددة.

حقا، ان كل شيء يتحقق وفق قوانين محددة، وفق علل محددة، وهذا ما يمكن تسميته بالحتمية العلمية، التي تستبعد كل ضرورة مفارقة من خارج التجربة الانسانية، وكل علية غائية نهائية. ان ما يميز هذه الحتمية هي انها لا تستدعي الا الاسباب والعلل الفاعلة والشروط المحددة في التجربة، والعلل والشروط المحددة لها، وهي علل وشروط انسانية واجتماعية وتاريخية وموضوعية اساسا.

وليست القوانين العامة الا تعميمات لهذه القوانين المحددة المؤسسة على هذه العلل والشروط. ولهذا فهي تختلف وتتنوع باختلاف الاوضاع والملابسات. وهذا ما ينفي عنها جمودها ونمطيتها المطلقة، ويعطي لها دلالات خاصة. على ان هذه القوانين العامة نتكشفها خلال دراسة تجلياتها العينية المختلفة. ولعل من ابرز هذه القوانين العامة المعبرة عن العلل والاسباب الفاعلة، هو الصراع الطبقي، والعلاقة بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج، الدور المحرر للطبقة العاملة والمنتجة عامة.

ان الوعي بهذه القوانين وهذه العوامل والعلل الموضوعية في التاريخ وتأسيس الفاعلية الانسانية عليها هو الذي ينتج تحقيق الحرية الحقيقية.

لهذا لا سبيل الى القول بحتمية قدرية في الماركسية.

والواقع ان الذين يصفون نظرية ماركس بهذه الحتمية هم من خصوم الماركسية ومن اشياعها كذلك. فالخصوم يتخذون من هذا الفهم ذريعة لاتهام الماركسية بالمادية الجامدة الميكانيكية غير الانسانية.

اما الاشياع فيتخذون هذا الفهم لتبرير ممارساتهم الارادية السياسية التي يفرضونها فرضا على المجتمع والناس والواقع، في تعارض مع ضرورات الواقع وارادات الناس.

ان جوهر نظرية ماركس هو أبعادها العلمية والفلسفية والسياسية العملية التي تتضافر لتحقيق ثورة جذرية في التاريخ بفضل ظهور الطبقة الاجتماعية المؤهلة لتحقيقها وهي الطبقة العاملة. وهي ثورة ضرورية وممكنة في وقت واحد، بل لعل امكانها مرتبط بأساسها الضروري، وهي ثورة تسعى لالغاء استغلال الانسان للانسان والقضاء على كل قهر سياسي، وذلك بالغاء الملكية الفردية لوسائل الانتاج والانتقال بالتاريخ من ملكوت الضرورة الى ملكوت الحرية.
ولا يتم هذا بشكل ميكانيكي قدري، وانما بالممارسة النضالية الثورية التي تعي وتسيطر على الشروط الموضوعية للواقع الموضوعي.

ومع الثورة السوفييتية عام 1917 انتقلت هذه النظرية الماركسية من افقها النظري الى الممارسة الواقعية التأسيسية. وتحولت من ممارسة ثورية لانتصار ثورة الى سلطة ثورية منتصرة في سياق اوضاع سياسية واجتماعية اقتصادية وعسكرية وعالمية مختلفة، واصبحت الماركسية هي مصدر المشروعية لهذه الثورة ومرجعيتها الفكرية والعملية الاساسية.
ما اريد ان ادخل في تفاصيل هذه الاوضاع التي قامت السلطة الجديدة في سياقها. على ان هذه السلطة الجديدة كان من الطبيعي ان تسعى الى تكييف النظرية بحسب هذه الاوضاع تحقيقا لاهدافها العامة.

فماركس لم يقدم برنامجا عمليا للتحول الاشتراكي وانما قدم خطوطا عامة. ولقد استطاع لينين بان يقود عملية الثورة وان يحققها باقتدار عبقري في مواجهة الضرورات العملية والفكرية والتنظيمية التي فرضتها الاوضاع الخاصة والدولية، وكانت هناك ابداعات فكرية وعملية عديدة مثل نظرية قيام الاشتراكية في بلد واحد، ومثل نظرية اضعف الحلقات، ومثل الربط بين السلطة والكهرباء، أي التصنيع، ومثل الثورة الثقافية، ومثل نظرية حق تقرير المصير ومثل الدعوة للسلام العالمي، ومواجهة الحرب الاهلية والتدخل الامبريالي، ولكن لعل من ابرز الابداعات العملية في تقديري هو مشروع الـ Nep الذي سعى به لينين ان يردم الهوة بين الطبيعة الثورية للسلطة الجديدة وبين الواقع الاجتماعي البالغ التخلف، ربما اقترابا من رؤية ماركس الخاصة بقيام الاشتراكية في البلاد الرأسمالية المتقدمة، باعتبار ان الاشتراكية هي تتويج لاكتمال المرحلة الرأسمالية.

وبرغم الطابع المحلي لهذه المنجزات تدعيما للثورة، فان الثورة السوفييتية كانت ثورة ذات دلالة تاريخية انسانية شاملة، غيرت موازين القوى في العالم، لمصلحة الطبقات العاملة في العالم ولحركات التحرر الوطني في البلاد النامية.
ولكن مع تقديرنا للدور العبقري المبدع لقيادة لينين لهذه الثورة منذ مراحلها الاولى حتى قيام سلطتها، سواء في كتاباته النظرية او سياساته وممارساته العملية، فما اجدرنا ان نتساءل عن مدى الاضافة النظرية التي اضافها لينين الى الماركسية، بحيث يصح القول بالماركسية – اللينينية. لعلنا نذكر مقولة ماركس الشهيرة "لست ماركسيا" في مواجهة محاولات تحويل افكاره الى اكليشيهات جامدة، ونظرية نهائية. وما اذكر ان لينين جعل في حياته من منجزاته النظرية والعلمية رغم اهميتها اضافة نظرية كاملة الى الماركسية. وأتساءل:

هل حاول ستالين وهو الذي صاغ مفهوم اللينينية كاضافة نظرية الى الماركسية، ان يعطي لهذا المفهوم مشروعية وطنية للسلطة السوفييتية، وبالتالي لسلطته هو نفسه، فضلا عن اعطاء هذه السلطة السوفييتية مشروعية اممية؟!
اننا نستطيع ان نحدد المعالم النظرية التي صاغها ستالين لتأكيد هذه الاضافة النظرية للينينية الى الماركسية في الامور التالية: مسألة انتصار الثورة في بلد واحد، مسألة اضعف الحلقات، والنمو غير المتكافئ، وبناء الاقتصاد الاشتراكي، ودكتاتورية البروليتاريا، وحزب الطبقة العاملة، والمسألة الوطنية، ومسألة المستعمرات، ودراسته للامبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية، الى غير ذلك، وهي بغير شك اضافات غنية فكرية وعملية الى رصيد النضال الثوري، وهي بغير شك عناصر نظرية واجرائية تعبر عن نظرية التجربة السوفييتية الثورية، وخاصة في بدايتها. وعندما اضافها ستالين الى الماركسية كمرجعية للثورة الاشتراكية عامة كاد يجعلها في الحقيقة المرجعية الاساسية لهذه الثورة، بل كاد يخفت الى جانبها الصوت الحقيقي للماركسية، لقد تحولت الماركسية في ثوبها اللينيني بمفهوم ستالين الى مذهب رسمي للحزب الشيوعي السوفييتي وللسلطة السوفييتية.

وهكذا تحولت (الماركسية) الى مؤسسة حاكمة هي المرجعية الاساسية والوحيدة في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية في الاتحاد السوفييتي، وتحولت المادية الجدلية، كما سبق ان اشرنا الى Dia Mat/E+ أي الى قواعد قانونية سلوكية فكرية للدولة والحزب، ابتداء من 1934 باعتبارها الفلسفة العامة التي تعبر عن القوانين الشاملة للمادية الجدلية ولسيرورة الطبيعة والتاريخ والفكر والحكم والمعيار الوحيد على صحة وصدق كل فكر فلسفي او علمي او اقتصادي او عملي عامة.

واصبحت مهمة العلماء استخلاص قواعد هذه الفلسفة القبْلية من الطبيعة والتاريخ باعتبارها المبادئ النهائية لحركة الواقع، ولمنهج المعرفة، واصبحت الـ Dia Mat بمثابة بوليس سياسي للحقيقة، بل تحولت المادية التاريخية الى رؤية تطورية اقتصادية نهائية للحركة التاريخية الاجتماعية ذات الاتجاه الواحد.

واصبحت هذه الـ Dia Mat وسيلة لتمرير وتبرير كل سياسات السلطة البيروقراطية التي اصبحت دكتاتورية على الحزب وعلى الطبقة العاملة نفسها. والاخطر من هذا ان اصبحت هذه السلطة السوفييتية بسلاحها النظري هذا هي المرجعية الوحيدة للحركة الشيوعية في العالم اجمع. وهكذا جُمدت الماركسية وانتهت كعلم وكممارسة وكفلسفة، واصبحت ادبياتها تلقينية تبسيطية مطلقة الصحة واليقين، بل تفرض نفسها فرضا اجباريا.

ولهذا نرى ستالين يقول في كتابه حول مسائل اللينينية: "اليست اللينينية تعميما لتجربة الحركة الثورية في كل مكان. اليست اسس نظرية وتكتيك اللينينية صالحة واجبارية لجميع الاحزاب البروليتارية في كل البلاد"؟

محمود أمين العالم


ألماركسية.. وسرير بروكوست: (3/3)

التجربة السوفييتيــة ليست معيار الحكم على الفكر الماركسي!

عن ’الحوار المتمدن’ - العدد: 1240 - 2005 / 6 / 26

وهكذا باسم اللينينية فرضت الدولة السوفييتية سلطاتها على الحركة الشيوعية العالمية. واصبحت الماركسية ترقد جثة هامدة فوق سرير بروكوست او سرير الدولة السوفييتية البيروقراطية او تزيد بحسب طول هذا السرير – سياسيا ومصلحيا – أي بحسب المصلحة السياسية البرغماتية الخاص لهذه السلطة.

ولا يمكن تفسير هذا بالعامل الذاتي وحده او الفهم المتخلف الخاص بالماركسية مع اهمية هذا العامل، وانما هناك بعض اسباب موضوعية تتعلق بالطابع المتخلف للمجتمع السوفييتي، وبروز النازية التي كادت تشكل تحديا مباشرا للتجربة السوفييتية والرغبة في اللحاق بالنظام الرأسمالي، الى غير ذلك.

ولست انكر مع ذلك ما حققه الاتحاد السوفييتي من انجاز عظيم في هزيمة النازية، وفي دعم حركات التحرر الوطني ومختلف حركات الطبقة العاملة في العالم. ولكنها حققت هذا في تقديري كدولة عظمى لا كدولة اشتراكية ماركسية.
وليس ما تشهده هذه السنوات الاخيرة من انهيار النموذج السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية الا النتيجة الطبيعية لهذا الانهيار الفكر والايديولوجي والدمقراطي والثوري عامة، وغلبة الطابع الارادوي والبيروقراطي على السلطة السوفييتية.
لم تعد الطبقة العاملة في السلطة، ولم يعد الناس يصنعون تاريخهم، واصبحت سياساتها رغم ما تتضمنه من مساندة كبرى لبلدان العالم الثالث ولقضية السلام العالمي تسعى لتحقيق ذاتها كدولة عظمى تسعى لنشر نفوذها واللحاق بالرأسمالية العالمية والتفوق عليها.

ان هذا لا يعني انه في داخل الاتحاد السوفييتي وداخل وخارج مختلف الاحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم كانت هناك تيارات ماركسية حقيقية تناضل فكريا وعمليا ضد هذا الاتجاه السلطوي البيوقراطي المناقض للماركسية وباسمها بالاضافة الى اسم لينين.

على انه برغم ما حدث خلال السنوات الماضية، ما تزال اعلام الماركسية والشيوعية، بمستويات مختلفة مرفوعة في اكثر من بلد وفي اكثر من حزب. وما يزال الصراع الطبقي محتدما بل يزداد احتداما على مستوى كل بلد، وعلى المستوى العالمي اجمع.

وبرغم البلبلة الفكرية التي تغذيها ترسانة البلاد الرأسمالية ضد الفكر الاشتراكي عامة، والماركسي خاصة، فلم تبرز الحاجة الى الاشتراكية والى الفكر الماركسي كما تبرز الحاجة اليه هذه الايام. ان الحكم على الاشتراكية والفكر الماركسي لا يكون بما اصاب التجربة السوفييتية الاشتراكية من انهيار، وانما الحكم الصحيح على الاشتراكية والماركسية يكون بما تعانيه الرأسمالية العالمية اليوم من عجز عن تقديم حلول للمشكلات الاساسية للواقع الانساني. بل وبشراستها العدوانية والاستغلالية ازاء شعوب العالم الثالث بوجه عام، فضلا عن تفاقم ازماتها الاقتصادية والاجتماعية والقيمية.
وهكذا تبرز الاشتراكية والماركسية كضرورة، ما تزال تتطلع اليها هذه الاوضاع التي تزداد ترديا في حياة شعوب العالم وخاصة شعوب البلاد المتخلفة والنامية.

وهكذا نعود الى البداية متسائلين: هل ما تزال الماركسية، كما قال بها ماركس، هي نفسها لم تتغير، وعلينا ان نرفع اعلامه واعلامها؟ وهل ما تزال الماركسية – اللينينية التي ناضلت وضمت آلاف الناس تحت رايتها، كما هي بذات الصيغة القديمة؟
ثم اخيرا، ما السبيل للخروج من هذه الازمة التي تعانيها الماركسية فكرا وواقعا..؟!

ان الماركسية في تقديري ما تزال تحمل من المصادرات النظرية والتوجهات المنهجية ما يجعلها مرجعية اساسية من مرجعيات الفكر الاشتراكي والنضال الاشتراكي، وخاصة فيما يتعلق باستنادها الى البحث العلمي، اختبارا لمصادراتها وكشفا متصلا لقوانين الواقع، فضلا عن الممارسة الثورية المنظمة المستندة الى هذه الممارسة العملية، الى جانب رؤيتها النظرية الفلسفية المادية الجدلية في دلالتها التي اشرنا اليها سابقا، وفي ماديتها التاريخية في صورتها، المتطورة بتطور الخبرات والمعارف، لا في رؤيتها التخطيطية الميكانيكية الاحادية الاتجاه، فضلا عن الطابع النضالي للماركسية من اجل الانتقال بالمجتمع البشري من مرحلة الرأسمالية الى المرحلة الاشتراكية كمرحلة انتقالية نحو الهدف الشيوعي – الذي وان يكن ذا طابع يوتوبي لا يمكن ان تتحدد معالمه الآن – الا انه على الاقل وبشكل عام لن يكون نهاية للتاريخ، بل سيكون مرحلة تاريخية يتحقق بها التحرر الكامل للانسان من عوامل القهر والاغتراب والاستغلال والتي تتفتح بها آفاق انسانية حقيقية جديدة للحرية والابداع.

وكما ارتكزت الماركسية على مرجعيات علمية وفكرية سابقة، فضلا عن انها كانت ثمرة للواقع الموضوعي وللمرحلة التاريخية التي نشأت فيها ومنها، فلا شك ان الماركسية في عصرنا الراهن، لا بد ان تجدد مصادرها التي تستند اليها في تجددها الفكري والنضالي.

فلا شك انها سوف تستند في مرجعيتها الى الماركسية والى ما استندت اليه الماركسية من مرجعيات علمية وفكرية وموضوعية كما سبق وان اشرنا، ولكنها ينبغي ان تضيف الى ذلك ما استجد منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم من تطورات علمية وتكنولوجية، وبخاصة ما يتحقق اليوم من ثورة كاملة في مجالي علوم الاتصال والمعلوماتية، فضلا عن الخبرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، السلبية والايجابية، وخاصة خبرة انهيار النموذج السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وانهيار حركات التحرر الوطني واحتدام الصراعات العرقية والقومية والدينية في العالم، والازمات التي يعانيها اليوم النظام العالمي ومحاولات الهيمنة على العالم، الى جانب بروز حركات اجتماعية جديدة في العالم كحركات السلام، والدفاع عن البيئة، والجماعات المدنية والاهلية، والمنظمات الدولية والصورة العامة للعولمة بدلالتيها الايجابية والسلبية فضلا عن تطور مفهوم قوى الانتاج نتيجة للثورة العلمية الجديدة ومفهوم القيمة وما يفرضه هذان المفهومان من تطوير ضروري لمفهوم الطبقة العاملة، ومفهوم دكتاتورية البروليتاريا، فلم تعد الطبقة العاملة هي ذاتها في صورتها التقليدية بل اضيفت اليها قوى جديدة، كما ان مقولة دكتاتورية البروليتاريا اصبحت اضيق من ان تتسع للقوى الانتاجية والابداعية الجديدة التي يمكن اليوم ان تشارك في التحولات الثورية.

وهكذا تتسع مرجعية الحركة الاشتراكية وتتعدد مصادر قوتها وفاعليتها عن الحدود الماركسية القديمة، وان تكن امتدادا ابداعيا لها. وهنا يثار سؤال مشروع قابل للمناقشة لانه يطوف في اذهان كثيرة: الا تعد مقولة "الاشتراكية العلمية" والاكتفاء بها اكثر ملاءمة تعبيرا عن الاوضاع الجديدة بدلا من الانتساب النظري الى اسم ماركس دون اغفال اسمه كمصدر اساسي من مصادر الفكر الاشتراكي العلمي؟ هذا فيما يتعلق بالماركسية، اما فيما يتعلق باضافة اللينينية الى الماركسية، فقد يكون من الملائم الاشارة الى منجزات لينين الفكرية والعملية باعتبارها مصدرا من مصادر الاستلهام، شأنها في ذلك شأن العديد من الخبرات الفكرية والنضالية في التاريخ البشري عامة، بل والتاريخ الوطني والقومي، سواء في التراث الفكري او الممارسات والانجازات العملية، وذلك دون الالتزام بها التزاما نظريا كاملا؟

وقد تكون قضية البنية التنظيمية الخاصة للحزب اللينيني بالضرورة موضع اجتهاد جديد خاصة في ضوء التوسع في نطاق القوى الاجتماعية المؤهلة للمشاركة في التغيير الثوري، فضلا عن ضرورة تنمية روح الدمقراطية واحترام الاختلاف وتصفية الاتجاهات البيروقراطية والتسلطية في البنية الحزبية خاصة، وفي التحالفات بين الاحزاب عامة.

وهنا يثار السؤال مرة اخرى، اعتقد انه يدور في كثير من الاذهان وخاصة بالنسبة للينين حول الاكتفاء بمقولة الاشتراكية العلمية والاكتفاء بها كمرجع اساسي عام باعتبارها اكثر ملاءمة من الانتساب الى اسم من الاسماء مهما كان التقدير العميق لابداعهم الفكري والنضالي. فلعل الانتساب الى اسم من الاسماء مما يحد من امكانية تطوير الفكر النظري، بل قد يثير نوعا من الاحساس بالاغتراب عن خصوصية الواقع الوطني لدى الجماهير الشعبية وهذه قضية مطروحة للحوار.

ان التركز على عملية التجربة الثورية – التغييرية، وتنمية الثقافة الدمقراطية والعقلانية والنقدية والابداعية، والتخلص من كل التعميمات الايديولوجية المجردة، والحرص على الدراسة العينية للواقع العيني.. سواء في خصوصيته الوطنية المحلية او خصوصيته القومية العربية في تجربتنا العامة، او في خصوصيته العالمية.

والسعي الى قيام اوسع التحالفات السياسية والنضالية بين مختلف القوى الانتاجية والابداعية والاجتماعية على المستوى الوطني والعربي والعالمي، بل والسعي الى المشاركة في انشاء اممية جديدة لا تلغي الخصوصيات الوطنية والقومية والثقافية المختلفة، بل تجعل منها قوة تخصيب واغناء لهذه الاممية الجديدة، فضلا عن الحرص على الطابع الدمقراطي لهذه الاممية بحيث تحترم الاختلافات والتمايزات، والخبرات المتنوعة، وتزول عنها المركزية البيروقراطية لقطب من اقطابها.
هذه في تقديري هي بعض العناصر التي قد تصلح نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تطويرا للفكر الماركسي، وتنمية النضال الثوري، وتوسيعا، وتعميقا له، للخروج بالحركة الاشتراكية خاصة، وحركة النشاط الثوري الانساني عامة. من ازمتها للتصدي لمحاولة الرأسمالية العالمية فرض هيمنتها وسياساتها ومصالحها الاستغلالية وثقافتها على عالمنا المعاصر.
على ان هذه العناصر العامة لا تغني عن معالجة خبرة فكرنا الماركسي في التطبيق الحي، معالجة نقدية محددة في اطار واقعنا المصري المحدد.


محمود أمين العالم

في نقد الحركة القومية العربية

عن مجلة "النور" اللندنية(2007)

هزيمة 67 كشفت عن الفجوة الرهيبة بين الحداثة في الآلة والتخلف البشري
عقلية العشيرة حالت دون بناء تنظيم قومي وطموحات الزعماء شتت الجهود

فيما كانت الحرب العالمية الثانية تلفظ أنفاسها، نشأت حركة القومية العربية، وولدت منظمات ذات منهج عروبي يتجاوز الفكر القطري، واقصد هنا حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تأسس سنة 1947 وحركة القوميين العرب التي تأسست سنة1951والناصرية التي تبلورت بعد حرب السويس 1956، كحركة قومية لها بعدها الاجتماعي والسياسي،وهذه الحركات ولدت على أنقاض الاستعمار التقليدي القديم،حيث فقدت الدول الاستعمارية-بريطانيا وفرنسا بشكل خاص-مستعمراتها في المنطقة العربية كنتيجة طبيعية للحرب، فقد ظهرت قوى دولية جديدة تطمح إلى وراثة الإمبراطوريات القديمة، وبدا على المسرح العالمي طرفان قويان متنافسان هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي،اللذان دشنا مرحلة الحرب الباردة أو الحرب العالمية الثالثة.

ويمكن النظر إلى حرب 48 باعتبارها نقطة التحول في مسار المنطقة العربية ، فهزيمة القوات العربية أمام العصابات الصهيونية فجرت طاقات الغضب والرغبة في التغيير في مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن -بشطريه-والسودان وليبيا خلال العقدين التاليين (52-1970) وأصبحت الحركة القومية في مصر هي الإقليم القاعدة للحركة الشعبية والانتفاضات العسكرية في المنطقة.

سمات الحركة القومية

واتسمت الحركة القومية بعوامل عدة هي:

  • (1) خرجت الحركة أحيانا من داخل القوات المسلحة لتعبر عن طموح المواطن في التغيير سواء في مصر والعراق وسوريا وحتى في اليمن والسودان وليبيا،وساهمت هذه الحركات في إحداث تغيير حقيقي في الفكر السياسي العربي الذي ظل ينظر بعين الريبة إلى الانقلابات العسكرية ويعتبرها حركة البرجوازية الصغيرة التي تصب في مصلحة الرأسمالية الكبيرة وضد مصلحة العمال والفلاحين، وكان تبني الضباط الأحرار في مصر برنامجا اجتماعيا وطنيا، والتفاف المواطنين حولهم بمثابة نقطة تحول مهمة في النظر إلى دور العسكر في التاريخ خاصة في العالم الثالث، وهو دور مستمر ومتدفق من جمال عبد الناصر إلى هوجو شافيز في فنزويلا، وثبت أن العسكريين يمكنهم حمل مطالب المواطنين والدفاع عنها وأنهم ليسوا- دائما- يدافعون عن الاستبداد أو هم عصا النظام ضد المواطن.
  • (2) حدوث تحولات سياسية وفكرية على يد أحزاب قومية، كان حزب البعث أكبرها، لكنها ضمت أيضا حركة القوميين العرب، تلك الحركة التي ولدت داخل الجامعة الأميركية في بيروت لتعبر عن ضمير الطلاب العرب، ورفضهم نتائج حرب 48 وإذا كان حزب البعث تمكن من الوصول إلى السلطة في سوريا والعراق، فإن حركة القوميين العرب التي تماهت مع الناصرية في الخمسينيات سرعان ما صدمتها هزيمة 67 فتحولت إلى الماركسية، وأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واستلمت السلطة في اليمن الجنوبي بعد حرب تحرير قادتها الجبهة القومية، وهذا يعني أن الحركة القومية خرجت من ثكنات الجيش ومن الحرم الجامعي وفي أوساط المفكرين الجدد، ومن بينهم ميشيل عفلق.
  • (3) إن الحركة القومية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية لم تأت من فراغ، فقد سبقتها حركة وطنية وقومية تزامنت مع الحرب العالمية الأولى، ولعبت دوراً في النصف الأول من القرن العشرين من اجل تحقيق استقلال العرب ووحدتهم، وكانت الانعكاس السياسي لأفكار عصر النهضة العربية، ولكنها سرعان ما تفككت إلى أحزاب قطرية، ودخل بعضها في مساومات مع الاستعمار البريطاني والفرنسي لقطف ثمار نضاله واعتلاء السلطة، وبالتالي التخلي عن الأهداف القومية الكبرى التي ناضلت من اجلها، والتكيف مع السياسات الاستعمارية سواء فيما يتعلق بالإقرار بالتجزئة التي أنشأتها اتفاقية سايكس/ بيكو. في المشرق العربي، أو بتكريس النظام الإقطاعي والرأسمالي الطفيلي الذي كان سائدا في ذلك الحين، وقد انصبت الانتقادات القومية ضد حزب الوفد على أنه حزب الباشاوات وكبار ملاك الأراضي على رغم ان جمهوره كان من فقراء الريف المصري، الأمر الذي دفع بعض الضباط إلى المغامرة في الإطاحة بالملك والأحزاب وتقديم بديل لشبكة العلاقات التجارية والإقطاعية التي كانت مرتبطة بالاستعمار بشكل أو آخر.
  • (4) إن الحركة القومية لم تكن انعزالية، أو متعالية عن الحركات السياسية التي تزامنت معها،بل إن القوميين العرب وبخاصة جمال عبد الناصر وميشيل عفلق وصلاح البيطار جربوا أو انغمسوا في تيارات وأحزاب عدة قبل أن يستقر بهم المقام في الأطر القومية التى شكلوها، وهكذا وجدنا عبد الناصر يتجول بين الأحزاب اليسارية والإخوان بحثا عن تصور لقيادة التغيير في البلاد، وترك عفلق والبيطار موقعيهما في الحزب الشيوعي السوري اللبناني (كما كان يسمى وقتها)، كنوع من الاحتجاج على التغير الذي حصل في برنامج الحزب الشيوعي لجهة القطرية وتشجيع التطور الرأسمالي كخطوة لبناء طبقة عاملة، (البروليتاريا) لقيادة عملية التغيير، ومعنى ذلك أن الحركة القومية في صورتها البعثية أو الناصرية أو القوميين العرب كانت تشكل الخيار الثالث، بين الرأسمالية والشيوعية، وقدمت وثائق فكرية وبرامج سياسية ازدادت عمقا مع التجارب.
  • (5) إن الحركة القومية في جميع صورها بدأت رومانسية وحالمة بالتغيير وتحقيق أهداف كبرى مثل الوحدة العربية من دون معرفة آليات التغيير وأساليبه، ربما لعدم توفر الخبرة لدى القائمين على الحركة الذين جاء معظمهم من فئات مدنية مثقفة، درس بعضها في أوروبا(ميشيل عفلق) أو في الجامعة الأميركية في بيروت (القوميين العرب) او في الكلية الحربية (ناصر)، لكن مع ذلك تميزت الحركة ببعدين مهمين هما:

أولا الاتجاه نحو الاشتراكية كمنهج للتغيير الاجتماعي .

وثانيا المركزية الشديدة التي طغت على الأحلام الديمقراطية التي ميزت الجيل الأول من القوميين.

ورغم أن القوى السياسية المختلفة كان لها وجود في القوات المسلحة إلا أن الوجود القومي كان الأكثر فعالية وتأثيرا فقد خرجت الثورة المصرية من داخل الجيش، وقاد ضباط حزب البعث في سوريا والعراق الحزب إلى السلطة وأدى ذلك إلى عسكرة المجتمع، فقد زحف العسكريون على المناصب المدنية والمواقع الحزبية وترتب على ذلك نوع من المركزية الشديدة أو السلطة الشمولية المستبدة وساهمت في خنق مناطق الإبداع في الساحات السياسية.

الخطاب القومي الجديد: مراجعة أم تراجع؟

بعد مسلسل الهزائم التي تعرضت لها الحركة القومية العربية بدءً من نكسة حزيران -يونيو- 67 إلى الغزو الانجلو أميركي للعراق 2003 ثبت أن الفكر القومي بصيغته السابقة لاتتوفر فيه القدرة على قراءة الواقع بتنوعه وتعدده وعمق مشكلاته، وبالتالي على بلورة تصور يقود إلى التغيير، ومن ثم لجأ القوميون إلى منهج التجربة والخطأ أو البرجماتية العملية وتحولت المنطقة بما فيها من شعوب إلى حقل تجارب، رجحت فيها النوازع الفردية على المصلحة العامة، وتوالت عملية سقوط الأنظمة القومية واحدة تلو أخرى، فقد شهد العراق دوامات دم ارتبطت بصراعات القوميين مع الغير أو مع أنفسهم،ودخل حزب البعث العراقي التاريخ محملا بإرث ثقيل من العنف الداخلي أو الاضطهاد السياسي للمعارضين. وجرت تحولات دراماتيكية في مصر بعد رحيل عبد الناصر لجهة تغيير دفة التوجه القومي إلى توجه قطري، واستبدال المنهج الاشتراكي بآخر رأسمالي مع الحفاظ على نصيب الجيش في السلطة ،وتواجه سوريا حاليا تهديدات أميركية صهيونية في وقت يسعى فيه حزب البعث إلى تجديد خطابه وكيانه لمواكبة المتغيرات العالمية.

وفي ظل هذه المعطيات بات هناك سؤال مطروح هو: هل يستطيع الجيل الجديد من القوميين العرب تطوير الخطاب القومي بحيث يستفيد من الأخطاء ويستوعب متغيرات الموجة الأيديولوجية الجديدة ومعطياتها؟

يمكن الإشارة هنا إلى أن التيار القومي العربي لايزال موجودا وإن تراجع حضوره في السلطة وتراجع وهجه في الشارع،لأنه تيار أصيل وليس وافدا أو غريبا، كما أن القوميين العرب موجودون لاينكر احد أو ينفي وجودهم في أحزاب ومنظمات ومؤسسات خاصة الأهلية منها والمستقلة، وإلى ذلك هناك اجتهادات فكرية لدى الجيل الجديد يمكن رصدها من خلال تحليل مضمون الكتابات ذات المرجعية القومية بما فيها من استخلاصات أهمها أن غياب البعد الديمقراطي عن التجارب القومية الناصرية والبعثية كانت سببا رئيسا في مسلسل الهزائم التي وقعت، والاحباطات التي ترتبت على الفشل في إنجاز أهم أهداف الوحدة العربية، والتصدي للمشروع الصهيوني الاستيطاني.

إن إطلالة على المشهد السياسي العربي حاليا سوف تبعث على الحزن المشفوع بالألم، بالنظر إلى كارثة احتلال العراق، ومحاكمة الرئيس صدام حسين وفاتورة العنف الطائفي والمذهبي، واحتمالات تفجر أزمات من نوع جديد في المنطقة الأمر الذي يدفع القوميين إلى إجراء مراجعة شاملة للفكر الذي أنتهجوه، وهذا لاينفي أن الحركة القومية حققت نجاحات مهمة، بخاصة على الصعيد الاجتماعي حيث ساهمت برامجها التنموية في إنجاز معدلات سريعة في فترة زمنية قصيرة، وأبرز مثال هو الخطة الخمسية الأولى في مصر التي حققت ستة بالمئة في ستينيات القرن الماضي، وخطة سوريا في الاكتفاء الذاتي من الغذاء وتصدير الفائض، ولم تكن صدفة أن يندمج حزب البعث مع حزب فلاحي الطابع سنة 1953 هو الحزب العربي الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني في مدينة حماة وريفها بخاصة، فقد تأثرت النزعة الاشتراكية في سوريا في ذلك الحين بميل الفلاح إلى التملك ، وبالتالي باتت الاشتراكية تعني حق المساواة في التملك، وهو الأمر نفسه الذي سعت الناصرية إلى تطبيقه في قرارات الاصلاح الزراعي وتمليك صغار الفلاحين بعد سحب فائض الأراضي من كبار الملاك، لكن برامج الإصلاح الزراعي لم تصمد أكثر من أربعة عقود لتعود بعدها ظاهرة رجال الحزب ورجال الدولة باعتبارهم كبار الملاك الجدد أو رأسمالية الدولة التي نمت وترعرعت في ظل القطاع العام الاقتصادي والزراعي، فقد طغى النزوع نحو التملك الفردي، وأنتج أساليب عدة للإثراء السريع عبر النهب والسمسرة، في غياب رقابة شعبية وحرية صحافية وتبعية منظمات المجتمع المدني للحزب القائد.، بما في ذلك النقابات المهنية والاتحادات العمالية والطلابية.

المشكلات

ولعل ما يحتاجه القوميون العرب اليوم هو مراجعة فكرية هادئة بغرض التخلص من التلقـائيـة والعشـوائـية اللتين اتسم بهما التيار القومي عبر مراحله المختلفة، ومواجهة المشكلات المعقدة التي أحاطت بالحركة القومية واهمها:

  • (ا) التخلص من أسطورة الزعيم القائد التي ارتبطت بالسلطة القومية طيلة العقود الخمسة الماضية ،ومنحت الحاكم سلطة مطلقة لها طابع أبوي، لايسمح بأي قدر من المراجعة أو النقد للحاكم الفرد، والذي يتحكم من خلال أجهزة الأمن التي تنفذ إرادته الفردية المطلقة، وهي صيغ موروثة من دولة الخلافة في عصور التدهور، وقد بدت الفجوة واسعة بين الشعارات القومية التي تأثرت بالحركات القومية الأوروبية، ومن التراث الديمقراطي الأوروبي وبين ممارسات استبدادية عنيفة أدت إلى أن كل الإشكال والمؤسسات الديمقراطية الحديثة ، من برلمان وصحافة وأحزاب باتت تخضع لسلطة مطلقة متمركزة في يد الرئيس والأجهزة المعاونة. لقد أفضى تكريس هذا النمط من السلطة إلى إعادة صياغة المؤسسات القومية بما ينسجم مع دورها كأداة لتنفيذ رغبات القائد الملهم والمخلص،وبالتالي استبعاد كل العناصر المناهضة حتى وإن كانت الأكثر كفاءة من هياكل الحزب وتشكيلاته بناء على قاعدة أهل الثقة وليس أهل الخبرة، واللافت أن ظاهرة الزعيم لاتنحصر في الأنظمة الحاكمة فحسب بل تمتد لتشمل قادة الأحزاب القومية حتى وهم في ساحات المعارضة أو داخل السجون الأمر الذي يؤكد أهمية زرع الثقافة الديمقراطية في أوساط القوميين الجدد.
  • (ب) بناء وعي قومي جديد يعتمد أساليب واقعية لتحقيق الوحدة، اقصد هنا كل أشكال الوحدة التنظيمية والسياسية بعدما تفشت ظاهرة التشرذم في التيارات القومية ففي اليمن حزبان بعثيان وثلاثة أحزاب ناصرية، وفي مصر أكثر من واجهة ناصرية تتنافس وتتقاطع ولا تتكامل،وإذا وصلنا إلى موريتانيا سنجد تنوعا في المنظمات ذات المرجعية القومية والتي تعاني من الشيزوفرانيا السياسية أي مرض الانقسام والتشرذم ـ وبطبيعة الحال لايمكن أن تقوم هذه القوى المنقسمة بإنجاز مهمة الوحدة العربية،بل هي تقدم نفسها في صورة مشوهة إلى الجماهير بدلا من أن تكون النموذج أو القدوة، وهي تهدر جهدها فيما لاطائل منه، في حين أنها يمكن أن تحقق إنجازات عظيمة إذا توحدت على برنامج سياسي، وتعالت على الصغائر، وأن يعود الجميع إلى درس الوحدة والانفصال الذي وقع بين مصر وسوريا ، أو الحرب الدموية التي وقعت صيف1994 في اليمن لإدراك أن الخلافات الشخصية بين القيادات تؤدي دائما إلى تخريب المشاريع القومية، ومهما كان الخطاب القومي متميزا ومبدعا فإن الذين سيطبقونه بشر، وبالتالي من الضروري تربية المؤمنين بالقومية العربية على السلوك القومي سياسيا وأخلاقيا.
  • (ج) ونأتي إلى أهم أخطاء الحركة القومية ونقصد مأزق الرؤية الفكرية الرومانسية والاندفاع تجاه المجهول بعد توفر النوايا الطيبة، هذا المأزق كاد يدمر حزب البعث العراقي بعد مسلسل مغامرات لقيادته منذ منتصف السبعينيات عندما سيطرت عليهم فكرة بناء قوة عسكرية نووية عظمى تستطيع تهديد إسرائيل والغرب، لكن المشروع الطموح اصطدم بعوائق رهيبة، وانتهى الأمر باحتلال العراق بعد أن أهدرت مليارات الدولارات التي لو كان الحزب أحسن التصرف فيها لصارت العراق دولة عظمى اقتصاديا، وصحيح القول إن المؤامرات الصهيو اميركية ماكانت ستترك العراق يمضي في طريقه بهدوء، لكن الصحيح أيضا أن مغامرات القيادة القطرية أدت إلى الدخول في مواجهات مع إيران ثم مع أميركا وحلفائها،وانتهت المواجهات بنتائج كارثية على كل المستويات.

إن حزب البعث العراقي هو أحد أبرز فصائل المقاومة العراقية في مواجهة الاحتلال، لكن إرثه الدموي جعله لايعلن عن نفسه كقائد للمقاومة، فالحزب يحتاج إلى مراجعة نقدية شاملة وشجاعة يقدمها إلى المواطن العراقي أولا والمواطن العربي ثانيا، وهي أقرب إلى كشف الحساب، يرصد فيه الانجازات بكل موضوعية ويسجل الأخطاء التي بطعم ولون الخطيئة، وفي السياق نفسه جاءت مراجعات للحقبة الناصرية، وللوحدة اليمنية، فالحزب الاشتراكي اليمني لن يعود قويا إلى الساحة إلا إذا قدم رؤية نقدية واقعية لتاريخه منذ تسلم السلطة وحتى ما سمي حرب الانفصال، مرورا بصراع القبائل الماركسية 1986، وحزب البعث السوري وإن قدم بالفعل مراجعات نقدية وسعى إلى تجديد شباب الحزب إلا أنه مطالب بمراجعات يشترك فيها أطراف غير بعثية وغير مشاركة في السلطة حتى يتسنى لها تقديم رؤيتها بدون قلق.

لقد تكرس في الفكر السياسي العالمي أن المراجعة لاتعني التراجع،فهناك ثوابت للفكر القومي لايمكن الرجوع عنها مثل الوحدة العربية لكن من الضروري مراجعة أو التراجع عن الوحدة الفورية المرتبطة بدوافع عاطفية وليست على أسس موضوعية، بخاصة في ظل التباين في الأنماط الاقتصادية والثقافية، وقد ثبت أن بناء المؤسسات الوحدوية في أرض الواقع أكثر جدوى من إعلان الوحدة السياسية بدون مقومات، من هنا تأتي أهمية المشروعات المشتركة بين الأقطار العربية ،والجامعات وتبادل الاستثمارات والخبرات، والتي تصب في مصلحة المواطن وتدفعه إلى حمايتها إذا تعرضت العلاقات بين البلاد إلى أزمات سياسية وما أكثرها في وطننا العربي الكبير.

  • (د) إن بناء حركة قومية لايعني بالضرورة إنشاء تنظيم قومي واحد، فمثل هذه التنظيمات تواجه مشكلات عديدة، أولها التنافس على المواقع التنظيمية أو الحصص، ثم ثانيا الاصطدام مع السلطات الحاكمة في الأقطار العربية التي لاتعترف بمنظمات خارج سيطرتها الأمنية، كما ثمة صعوبات في إدارة حركة قومية عابرة للحدود، ولعل الأفضل من الناحية العملية هو تحسين شروط إنتاج الحزب القطري ذي الخلفية القومية، وانفتاحه على المنظمات والأحزاب الأخرى، وبناء جبهات ديمقراطية واسعة بضم منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات الطلابية والعمالية والنسوة لخلق بيئة ثقافية ملائمة لنمو الحركة القومية، ونشر الوعي القومي في أوسع نطاق ممكن.

إن التجربة العملية أثبتت أن عقلية العشيرة العربية لاتزال متحكمة في العقل العربي ما يحول دون بناء مؤسسات حزبية ذات طابع قومي،ولذلك فإن الاهتمام بما هو ثقافي وحضاري في الحركة أفضل كثيرا من الاستغراق في نشاط سياسي قد ينتهي بكارثة تفصل الحزب عن الجماهير كما حصل لحزب البعث العراقي، وليس من شك أن الحركة القومية أنتجت ثقافة قومية نجدها حاضرة خلف كل مشهد، بدءا من الانتفاضة الفلسطينية إلى انتصار حزب الله اللبناني، فقد تبلورت المشاعر القومية التي كانت فطرية وفردية وصارت اليوم مؤسسات ومراكز دراسات فضلا عن الأحزاب والمنظمات والاتحادات القومية.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose