Mouvement Ettajdid حركة التجديد

الصفحة الأساسية > عربي > من رموز اليسار التونسي > إنّـا لِفراقـك يا سي محمد لََمحـزونــون

أربـعيـــنية الفقــيد محمد الشـرفي

إنّـا لِفراقـك يا سي محمد لََمحـزونــون

الثلاثاء 15 تموز (يوليو) 2008

لقد عزمت على تحرير هذه الكلمة عديد المرّات، وأعجز في كل مرة عن الكتابة، لشدّة ما تتزاحم الذكريات عن محمد الشرفي القريب والصديق في ذهني، فلا أدري بماذا أبدأ وماذا عساني أقول في أخ عزيز جمعتني به أواصر مختلفة على صعيد العلاقات العائلية وعلى صعيد الفكر معا.

وسأبدأ من النهاية، إذ كان لا بد من الانتقاء، ولن أتحدث عن الراحل العزيز في المطلق، فخصاله أستاذا ومناضلا وسياسيا مما يشهد به العدوّ قبل الصديق، بل سأسجل خواطري على أنها أقرب إلى المناجاة منها إلى التأبين:
لقد كان في الأشهر الأخيرة يعاني من المرض الخبيث الذي أقعده عن الخروج وحتى عن ملاقاة الأصدقاء والأقارب. ورغم ذلك فقد كان يستقبلني وهو على فراش المرض، بل يدعوني أحيانا لنخوض بعض الوقت في مواضيع الساعة دون أن تؤثّر علّته الخبيثة في مداركه العقلية وفي قدرته على التحليل أو في رغبته الجامحة في الاطلاع على الشؤون الوطنية والعالمية على السواء.

وإن أنس فلا أنسى كيف تجشّم عناء التنقل المؤلم وزارني ذات مساء بارد من مارس الماضي صحبة زوجته فوزية ليعبّر لي عن تعاطفه وتضامنه إثر ما نٌشر عني في بعض الكتب من ثلب وقدح. وكان يومها يرى أنه ينبغي عليّ أن لا أردّ على ما لا يستحق سوى الاحتقار، ويتساءل: أين هم الذين يعرفون الحقيقة ويستطيعون أن يبيّنوا للناس مدى الوهم والاختلاق فيما نشر؟

كما لن أنسى أنه كان غائبا بشخصه، حاضرا رغم ذلك في نفوس الجميع حين دعا محمد عبد المطلب الهوني في بيته الريفي برومة في آخر 2007 ثلة من الأصدقاء وزوجاتهم إلى الاحتفال معه صحبة أفراد عائلته برأس السنة الميلادية. وتعذر على الفقيد العزيز السفر بعد أن اقتطع تذكرة الطائرة، بينما انضم إلى الفريق الذي سبق له أن فكّر في بعث "المؤسسة العربية للتحديث الفكري" صادق العظم وعزيز العظمة.

وفعلا كان محمد الشرفي أحد الستة الذين تداولوا لمدة ثلاثة أيام في جويلية 2002 في مشاغل الفكر التنويري مع الهوني وبمبادرة منه، ومع جورج طرابيشي ومحمد أركون ونصر أبو زيد وعبد المجيد الشرفي. وفي ذاك الاجتماع المطوّل والثريّ بدأت تتبلور فكرة "المؤسسة العربية" التي خلفتها جزئيا "رابطة العقلانيين العرب". وأذكر أننا تشاورنا في تلبية دعوة الهوني، وما كنا نحن الاثنين نعرفه من قبل، وقررنا قبول الدعوة بناء على معرفتنا بالمدعوين وبتوجهاتهم. ونبيّن لنا عند الاجتماع أن الهوني هو كذلك لا يعرف جل الأشخاص الذين دعاهم إلا من خلال كتاباتهم وسمعتهم.

وتتالت اجتماعات هيئة المؤسسة في باريس ورومة وفرانكفورت وبيروت وجنبف، فكان سي محمد هو الذي أخذ على عاتقه القيام ببحث قانوني في تشريعات مختلف البلدان العربية والأوروبية لتجسيم المبادرة. واستقر الرأي على أن يكون مقر المؤسسة في جنيف، حيث لم تكن أية دولة عربية توفّر الضمانات الكافية للاستقلالية وحرية التسيير، ولكن تبيّن فيما بعد أن الهيئات المموّلة في الغرب ترفض تمويل أنشطة مؤسسة لها الجنسية السويسرية، وأن الأثرياء العرب يرفضون تمويل مؤسسة لها أهداف تنويرية.

ولم يكن تبادل الآراء في قضايا الساعة يغيب عن تلك اللقاءات المتكررة بين أعضاء هيئة المؤسسة، ولا سيما خلال العشاءات الممتدة إلى ساعات متأخرة. وكانت الحرب الأمريكية على العراق تستأثر بنصيب وافر من النقاشات، فتتضارب التحاليل وتختلف دون أن تمسّ في شيء الودّ السائد بين الجميع. وبقدر ما كان الفقيد مناهضا للحكم الدكتاتوري ولخرق القانون الدولي في هذه القضية في الآن نفسه فإنه كان يحسن الظن في البداية بالولايات المتحدة ويعتقد أنها قد استخلصت الدرس من 11 سبتمبر، ولذلك فإنها ستعمل ـ خدمة لمصلحتها ـ على تشذيب الفكر الظلامي وعلى تشجيع إرساء الديمقراطية في المنطقة، فكانت خيبة أمله عميقة لمّا توالت القرارات الأمريكية المفككة لأوصال المجتمع والدولة في العراق، والمدعّمة للطائفية والعشائرية والانقسامات الإثنية، وظهر بكل وضوح أن البترول هو الدافع الحقيقي للاحتلال، وأن المحافظين الجدد الذين يحكمون أمريكا أكثر غباء مما كان يتصور.

وقد سمحت لي تلك المناسبات شخصيا بالقيام صحبة الفقيد العزيز، في أعقاب الاجتماعات الرسمية، بجولات على الأقدام وبجلسات على انفراد في المقاهي والمطاعم في جنيف ورومة بالخصوص، كنّا نسترجع فيها بكل عفوية وتلقائية ذكريات الشباب والدراسة والحياة الجامعية، وتعرفت فيها على عديد الخفايا في محنة السجن وفترة المسؤولية الوزارية، وكلها تشهد على الشهامة وعلو الهمة والقدرة الفائقة على وضوح الرؤية، وعلى رسوخ الاختيارات التي كان مقتنعا بها، رغم عسر الظروف أحيانا وتقلب الأمزجة والمواقف حتى لدى بعض من كان يحسن بهم الظن.

وأذكر بصفة خاصة أنه في إحدى تلك المناسبات جدد لي العتاب بطريقته المهذبة على امتناعي عن زيارته في بيته، وهو ابن خالتي، طيلة تحمله عبء الوزارة، مؤكدا على أنني أخطأت حين اعتبرت من باب التعفف أن المسؤولية الحكومية يمكن أن تغيّر فيه شيئا. كما أذكر استعادته في إحدى تلك المناسبات كذلك للظروف التي وافق فيها على دخول الشرطة للجامعة في اجتماع استثنائي للديوان السياسي دعي إليه، بعد أن كان يحاول بكل طاقته تجنب هذا الدخول، وكيف أن إسلاميي النهضة وجناحها الطلابي احتلوا بالقوة ثماني مؤسسات جامعية وأعلنوها مناطق محررة، ولما احتلوا كلية العلوم بتونس، وفيها مخابر الكيمياء التي تحتوي على مواد من شأنها أن تمثل خطرا كبيرا على سلامة المواطنين، بغض النظر عن أي اعتبار آخر، وكانت المعلومات التي مدته بها السلط الجامعية مطابقة للمعلومات المتوفرة عند الأمن، لم يعد هناك مجال لعدم قيام أجهزة الدولة بالدور الذي جعلت من أجله، وإن لم تكن له منذ اتخاذ هذا القرار الحاسم إمكانية اختيار الوسائل التي تستعملها للتصدي لهذا الوضع.

لم يكن محمد الشرفي معاندا ما عرفته، بل كان مستمعا جيّدا للآراء المخالفة يناقشها دوما بهدوء وعقلانية. وكان من تواضعه يعرض عليّ الفصول التي يثير فيها مسائل ذات صلة باختصاصي قبل نشرها، ولا يستنكف من تغيير ما كتبه على ضوء ملاحظاتي حتى في مواضيع ذات صبغة عامة مثل عدد من بنود الميثاق الوطني لسنة 1988التي حررها بنفسه، وذلك قبل طرحها على الأطراف المشاركة. ولعلّه كان في بعض المواقف مثاليا، إلا أن مثاليته من النوع الذي لا يتعالى على الواقع ويقفز عليه إرضاء لنرجسية ما. ولا شك أن هذه المثالية الممزوجة بنيويا بالذكاء الفطري وبالواقعية والثقافة الواسعة هي التي تفسّر أكثر من غيرها المعارك التي خاضها في سبيل الحرية والعدل والمساواة والتقدم، وفيها مفتاح ذلك الاحترام الفائق الذي ما فتئ يحظى به في المحافل الوطنية والعالمية، بل تلك الكاريزما التي تشع منه وتُميل إليه النفوس قبل العقول.

لقد كان محمد الشرفي بحق من العلماء الأفذاذ ومن الرجال العظماء النزهاء في زمن الرداءة والانتهازية. ولئن غادرنا وهو ما زال قادرا على العطاء فإن التاريخ سيخلده باعتباره من أنجب الذين أنبتتهم هذه الأرض الطيبة وعلى رأس الذين يحق لأسرته ولأصدقائه ولتلامذته ولتونس أن يفتخروا بهم على مرّ الدهر. وهذا هو عزاؤنا الوحيد في فقدانه رغم لوعة الحزن وحرقة الفراق. وإنّا لِفراقك يا سي محمد لََمحزونون.

عبد المجيد الشرفي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose