Mouvement Ettajdid حركة التجديد

الصفحة الأساسية > عربي > ثقافـة و فـنون > الريّف والعولمة.. هجرة النّمل احتجاجا

الريّف والعولمة.. هجرة النّمل احتجاجا

الخميس 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008

بقلم: مصطفى القلعي٭

المُزارع: الوعي بالمفارقة الجائرة..

إنّ المزارع يعلم أنّ الرّيف هو الذي ينتج الحياة. وأنّ في الرّيف تُستعاد الأساطير. فيُرى صراع الإنسان ضدّ الطبيعة متجسّدا عيانا؛ صراع متطرّف لا يرضى بالتعادل. ولا يهدأ بغير الانتصار أو الهزيمة. فقد ينتصر المزارع ويبسط الأرضَ أمامه بمحاريثه فتقبلَ غرسه.. وتحبل فتعطيَ ثمرا. وقد تستعصي عليه وتتمنّع.. فيعاند حتى يهلك فيها أو دونها. ولكنّه لا يتركها. والمزارع يعي حجم المفارقة المجحفة بين قداسة دوره، في الحياة، وبين تواضع منزلته فيها قياسا بمنزلة المدينيّين. وهو يرى المغالطات المشتقّة من هذه المفارقة تتّسع باستمرار وتستقرّ حتى لكأنّها من البديهيّات التي تخرج عن دائرة المفكّر فيه أو المختلف. ولهذه المفارقة جذور تاريخيّة تعود إلى مفاضلة العرب القدامى بين البدويّ والحضريّ، بعد تأسيس المدن العربيّة الإسلاميّة ونشأة ظاهرة السوق والخان وحوانيت الطعام. والحقيقة أنّ هذه المفارقة تحتاج إلى دراسة نفسيّة اجتماعيّة حتى تبِين وتتوضّح.

ولهذه المفارقة، أيضا، خلفيّات بورجوازيّة تتّصل بنشأة المدينة المعاصرة بعد الثّورات الاجتماعيّة العاصفة المؤسِّسة التي عاشتها أوروبا منذ أواخر القرن الثّامن عشر بدءا بالثّورة الفرنسيّة. هذه المدينة البورجوازيّة الأوروبيّة النّاشئة امتلأت بالمزارعين الذين توهّموا أنّهم تحرّروا من استعباد الإقطاع. فتركوا حرفة فلاحة الأرض.. وعدلوا عن إخصابها. واستبدلوها بمهن صناعيّة لم يألفوها في المدينة. لكنّهم لم يفعلوا سوى أن استبدلوا استعبادا باستعباد؛ من استعباد الإقطاع الزّائل أُلقيَ بهم في أَتُون استعباد أشدّ وأفظع: استعبادِ رأس المال، رأسِ المال الذي لا يكاد يصدّق ما يعيشه من سيادة وازدهاء. غرِق المزارعون الذين صاروا عمّالا في الأحياء الهامشيّة. وأكلتهم الأوبئة والفقر والجريمة والاستغلال والفساد القيميّ والأخلاقيّ.أمّا الأرض فقد تداول ركوبها السّادة؛ فما كادت تتخلّص من اغتصاب الإقطاعيّين حتى ابتُليت باستنزاف الرّأسماليّين الذين جعلوها مصدرا من مصادر الإثراء. الرّيف وجبهويّة الغذاء..

إنّ فخر أهل الرّيف هو نجاحهم في ضمان استقلالهم الغذائيّ وتحرّرهم من ذلّ الجوع والمسكنة. فهم لم يكونوا يحتاجون إلى السّوق إذ أنّ كلّ ما يستهلكونه ينتجونه. ولا يستهلكون ما لا ينتجون. ولا ينتجون، في الغالب، إلاّ ما كانوا متعوّدين على استهلاكه. والطّعام، عندهم ، ليس حاجة بيولوجيّة فقط. ولا هو غريزة ملحّة لا بدّ من إطفائها بالطّحن والتبرّز.. الطّعام قيمة يتمّ إنتاجها.. اكتسابها.. فتثبيتها في المنظومة القيَميّة التي تجعل الإنسان إنسانا. ولها صيرورة ومدى. وقد كانت الأرياف إلى عهد قريب ربّما يصل إلى السبعينات والثمانينات، في تونس على وجه الخصوص، تفتقر إلى كلّ شيء؛ ماء الشّرب، الكهرباء، النّقل، الاستشفاء...إلخ ورغم ذلك لم يتأثّر الطّعام قيمةً وإن شحّ وعزّ مطلبًا. ولم يفكّر المزارعون في أن يتركوا أرضهم أو أن يستبدلوها بالمدينة أو أن يهاجروا بعيدا عنها إلى ما وراء البحار والحال أنّ الطّرق جميعها كانت سالكة.. ولا تأشيرة.. ولا إرهاب.. يكفي جواز السّفر.

لقد خلق الرّيف لأهله مناعة ضدّ إغراء البضاعة وإغواء الوارد سواء من وراء التلّ أو من وراء الشّمس، لا فرق. لقد كان الرّيف جبهة تلقائيّة لمقاومة العولمة ولضمان الخلاص من التبعيّة. جبهة عتيّة كان. إنّ الرّيف التقليديّ رمز للمقاومة التلقائيّة الحالمة، غير المنظّمة ولا المنتظمة وغير المسيّرة سياسيّا وغير الموظّفة أيديولوجيّا، للعولمة ورأس المال. والسّلاح الجبهويّ الأمضى في مقاومة العولمة هو سلاح الغذاء. ولذلك، كلّما اعتمدت الأرياف على مصادر غذائها من الخارج، أو كلّما تمدّنت، أو كلّما توسّعت المدن على حساب الأرياف كلّما فَتَرت جبهة مقاومة العولمة. فالمدينة رمز الحضارة الموهومة ما هي إلاّ فضاء رحيب لتكريس الاستلاب والتبعيّة والاستعباد.

الرّيف والاختراق العولميّ..

إنّ البنية الذهنيّة الريفيّة بنية محافظة ساكنة. والرّيف عصيّ على التبدّل القيميّ. وآليّاته الاجتماعيّة وقوانينه وأعرافه تتآلف لتكرّس التمسّك بالمحافظة والتقليد في مسائل الزواج والميراث والملكيّة والعصبيّة وفي الجنوح نحو موقف سلبيّ من السياسة. قد لا يكون الرّيف تعرّض لهجمة أيديولوجيّة خارجيّة أو داخليّة موجّهة. وهو ما جعله نافرا من مشاريع التّبديل والتّجديد رغم انتشار التمدرس. وعلى المستوى الحضاريّ فإنّ الرّيف لم يكن بمعزل عن الثورة الرقميّة إذ يبدو أنّه لم يكن له الخيار ليقبلها أو يرفضها، كما يقول أنصار العولمة السّعداء. وإنّما وُجِد الرّيف مُدرجا فيها بفعل قوانين لم يشارك في وضعها. بل فرضتها العولمة عليه. والاختراق العولميّ للرّيف له دلالاته. فالرّيف يبدو قابلا للتأثّر الرّقميّ رغم رفضه للتأثّر الأيديولوجيّ، كما لاحظنا.
وللاختراق مظاهره المتمثّلة في انتشار اللّواقط الهوائيّة والهواتف الجوّالة في البساتين والحقول والمزارع جنبا إلى جنب مع سبائك الفلفل الأحمر والّلوز الجافّ وخوابي زيت الزّيتون. وأصواتها تمتزج بحمحمة الخيول وصياح الديكة.

ولم يكن هذا الاختراق دون نتائج صادمة. وصدمتُه جماليّةٌ بالأساس تتمثّل في أُلفة مُبْهَمة بين أشكال من الطقوس الخرافيّة الفلكلوريّة، من جهة، وبين أحدث ما بلغه العقل البشريّ والفكر الماديّ العلميّ؛ نعني التكنولوجيا الرقميّة العصريّة، من جهة أخرى.. كذلك هو المشهد الرّيفيّ، الآن، الخرافة والتقليد جنبا إلى جنب تحيا مع الجاليليّة والداروينيّة والنسبيّة!! وجرم التشويه الذي طال الرّيف وحدها العولمة تتحمّله.. ووحدهم السّعداء السّائرون في ركاب العولمة، المهلّلون لإنجازاتها، يقع عليهم عارها. والتبرير جاهز دائما: الضّرورة/ لا خيارَ../ مواكبة العصر/ التحديث...إلخ شعارات راجمة لها سطوة عنيفة وُوجِه بها الفكر النقديّ القلِق. وأُخرِست بها أفواه النّاقدين، وإلاّ فالتّهمة معدّة سلفا: مناصرة الرجعيّة المُدانة والدّفاع عن قوى الجذب. عن المشهد الرّيفيّ هذه الصّورة: الوليّ الصّالح والرّجل صاحب الكرامات أو المرأة المُتَشَوِّفَة الرّائية والمتطبّب بالأفلاك أو بالصّرع أو بالبنادير أو بدماء الديكة السّوداء، لا بلحومها(!!)...إلخ هؤلاء جميعا الممارسين للفكر الخرافيّ المؤمنين به وبخوارقه، يمتلكون لواقط هوائيّة على أسطح منازلهم وهواتف جوّالة في جيوبهم!! يعني أنّهم يستعملون التكنولوجيا المعاصرة. بل إنّهم يتنافسون في اقتناء أجدّها وأفضلها وأكثرها أناقة. والعصيّ على الفهم، في هذا المشهد، هو ما يمكن أن نسمّيه الحياة في التناقض. هذه الألفة مع التناقض تركت في الرّيف تشوّها جماليّا فقّره وجرّده من فتنة الأصول.

الرّأسماليّة ومعاداة الاقتصاد العائليّ الرّيفيّ..

لقد حدّدت الرّأسماليّة خصومها بدقّة متناهية. وقرّرت الاعتداء عليهم انسجاما مع استراتيجيّاتها العدوانيّة التي تسمّيها "وقائيّة" والتي صارت معروفة، اليوم، مصرّحا بها في الأدبيّات الرّأسماليّة التي لا تعرف خجل الرّمال. فإلى جانب الانشغال بابتكار المكائد الكفيلة بحرمان الإنسانيّة من حلم الشيوعيّة وعطفها، وجّهت الرّأسماليّة مخالبها نحو الزراعة العائليّة أو الاقتصاد العائليّ في المجتمعات غير الصناعيّة رغم أنّ هذه الزراعة وهذا الاقتصاد لا ينافسان الرّأسماليّة وليسا نمطين إنتاجيّين تجاريّين أصلا. ولكنّ حيادهما ولارأسماليّتهما لم يضمنا لهما السّلامة. وإنّما وضعت الرّأسماليّة استراتيجيا هجوميّة موجّهة إليهما قائمة على الخديعة والخلابة والغدر. فعملت على استدراجهما أوّلا نحو خندق اقتصاد السّوق حيث بيع كلّ شيء وشراؤه شرعيّ مباح. ثمّ تمّ إجبارهما على الدّخول في منافسة غير متكافئة ولا عادلة مع الاقتصاد الرّأسماليّ المدجّج بالمال والكُره ومعاداة الإنسانيّة، فطحنهما تحت شوفينيّة قانون المنافسة وعنصريّته.

إنّ الاقتصاد العائليّ الآمن الذي يحمي أهله من التبعيّة ويَقِيهم من شرور بريق الفضاءات التجاريّة الكبرى، اعتبرته الرّأسماليّة خصما بل عدوّا دون أن تكون له نيّة المخاصمة ولا المعاداة. ولكنّها قوانين رأس المال؛ يحدّد الخصوم ويعاركهم فجأة ويأخذهم بالغفلة والحيلة والتسلّط. وهو لا يأتيهم في زيّ المحارب المدجّج بالسّلاح الذي يعتبر النّزال شرف المحاربين. وإنّما يأتيهم في أثواب وَدُودَة مُطَمْئنة كثيرة كَثَوْب السّائح المتفرّج، حينا، أو ثوب العالِم العارف النّاصح، حينا آخر، أو ثوب المبشّر المساعد المتبرّع، حينا ثالثا.. الرّأسماليّة بلاء متغطرس مدجّج بالسياسة مسلّط على المزارعين مُنتجِي الحياة خلاّنِ الاشتراكيّة.. اعتداء سافر على الاستقلال الغذائيّ للأمم الحرّة هي الرّأسماليّة.. هي فيل أعمته ضخامته عن حكمة القُبَّرة، على ضآلة حجمها، فانقاد إلى الهاوية المهلكة.. لقد اقتيد الاقتصاد العائليّ نحو المَصْيدة التي نصبها له رأس المال. وما عجّل باقتياده وسهّله كان افتقارَه إلى آليّات الاقتصاد السياسيّ. كما كان لرأس المال أعوانُه الذين يأتمرون بإمرته طمعا في فضلات موائده وفتاتها. فتجرّأوا حتى على تجميل القبيح وتسييس الزراعة والضّغط على المزارع من أجل أن يستبدل زراعة القمح بزراعة المنغا. فالمنغا للمتعة والاستجمام.. وهما أشدّ ما يفتقده الإنسان، حتى قبل الطّحين واللّبن!! وكانت لرأس المال، أيضا، عِصِيُّه التي بها يرهب الرّيف، أرضا وبشرا وقيما، ويروّعه. وكانت له قروضُه التي حرّكت في الرّيف غريزة الطّمع.. وكانت مسمومةً!! وكانت له "إنجازاتُه" العلميّةُ البديلةُ المخادعة الشرّيرة المتمثّلةُ في الفلاحة الكيمياويّة والبذور المعدّلة بيولوجيّا المتاحةِ مجّانا في مقابل التخلّي عن البذور المحليّة السّليمة المعدّة ذاتيّا.. بذورِ الكرامةِ.

هذا الاستهداف الرّأسماليّ الغاشم للاقتصاد العائليّ في الأرياف أفقر المائدة المائيّة نتيجة الإخلال بالتوازن الطبيعيّ بفعل الاستغلال المفرط للمياه. وذلك من أجل إنتاج الخضر والغلال في غير فصولها. وصحّر التّربة وجعلها عقيما نتيجة الإخلال بشروط الإخصاب الطبيعيّ. ونجح في جعل الرّيف يفقِد مواقعه المُقاوِمة إذ تقهقر أهله ليتحوّلوا إلى أفواه مفتوحة، كغيرها من الأفواه، تنتظر بدورها من يطعمها بعد أن كانت تَطعم وتُطعم على أرضها ومن كدّ جبينها.

في الرّيف كان المزارع ينتج قيمة الكرَم.. وكان يعتبر النّمل والطّير وعابرَ السّبيل شركاءَ الطّعام. وكان يترك لهم نصيبَهم على المائدة أو في الحقل. إنّ التدمير الذي طال الاقتصاد العائليّ كانت نتائجُه كارثيّةً على البشر والحجر والطّير والنّمل والضرع والزرع والقيم؛ لقد أدّى إلى تكريس التبعيّة الاقتصاديّة والتفريط في كرامة الاكتفاء الذاتيّ الزراعيّ وإلى تحريك نوازع الذات الأنانيّة النّائمة نحو التملّك وإلى نَفاق الطيور وإلى هجرة النّمل احتجاجا
على رأس المال الذي جوّعه.. هاجر النّمل دون أن يترك عنوانه للصّراصير.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose